معاناة جوجل

11

د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ

تصطخب غرفة الاجتماعات الكبيرة في جوجل بالتوتر الواضح، حيث يقف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي، على المنصة متحدثًا عن أبرز التطورات التقنية في الذكاء الاصطناعي في الشركة. بلهجة مدروسة وتفاؤل محسوب، تكمن وراء العرض التقديمي المصقول شركة تعاني من التعقيدات العميقة للذكاء الاصطناعي.

قبل بضع سنوات، تبلورت طموحات الشركة مع الاستحواذ على “ديب مايند” التي حققت انتصارًا مشهودًا عبر نموذجها “ألفا جو”. عزز الانتصار في لعبة غو الإيمان بإمكانات الذكاء الاصطناعي، مما وضع غوغل في طليعة الابتكار التقني. ما أحرزه الذكاء الاصطناعي من انتصارات أمام أبطال بشريين في الألعاب المعقدة، أذهل العالم. ومع ذلك، ليس هذا الانتصار إلا بداية رحلة محفوفة بالتحديات.

وعدت جوجل بثورة في البحث بما لديها من قدرات في الذكاء الاصطناعي، لكن الوعود ظلت غير محققة. الذكاء الاصطناعي الذي استحوذت عليه الشركة لحمايتها من الخارج تسبب في مشكلات داخلية. بينما يتحدث الرئيس التنفيذي، يتضح ما للاعتبارات الأخلاقية من أثر كبير. يذكر الجدل المحيط بمشروع الذكاء الاصطناعي “مافن” مع وزارة الدفاع الأميركية بالمستنقعات الأخلاقية التي تصاحب التقدم التقني. فقد ثارت الاحتجاجات الداخلية مطالبة بإيقاف استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض عسكرية، وبعد جدل طويل، رضخت الشركة للاعتراضات وألغت المشروع.

ليست مشكلة جوجل منحصرة في الجوانب الأخلاقية، إنما في قدرتها على اللحاق بالتقدم التقني وإعادة اختراع نفسها. أطلقت جوجل بارد، روبوت دردشة لمنافسة “ChatGPT”؛ لكنه انتقد بشدة حتى سحبته الشركة. منذ شهر فقط، أطلقت جوجل خدمة البحث المعزز بالذكاء الاصطناعي، وبعد تجربة المستخدمين، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بأمثلة كارثية من توصيات محرك البحث، مثل استخدام الغراء في وصفة البيتزا وتنقيع الحصى لفوائده المعدنية.

رغم كل ذلك، لم يتوقف التزام جوجل حيث تواصل الشركة الاستثمار بكثافة في الأبحاث في مسعاها لتحسين نماذجها ومعالجة الآثار الأخلاقية لتقنيتها. يؤكد بيتشاي في خطابه على أهمية تحقيق التوازن بين الابتكار والمسؤولية، مشيرًا إلى مبادئ الذكاء الاصطناعي التي تبنتها غوغل، في مسعى لترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة، في طريق معقد ومستمر.

يلخص المشهد في مقر جوجل ازدواجية رحلة الذكاء الاصطناعي: مزيج من الابتكار الرائد والتحديات الأخلاقية العميقة. عندما يختتم بيتشاي خطابه، تمتلئ الغرفة بالتفاؤل الحذر. الطريق إلى الأمام غير مؤكد، ولكن تصميم جوجل على التنقل في تعقيدات الذكاء الاصطناعي، وتسخير إمكاناته، والتخفيف من مخاطره واضح.

في المشهد التقني الأوسع، تعد صراعات جوجل مع الذكاء الاصطناعي عالما مصغرا لتحديات الصناعة كلها. يتطلب السعي وراء التقنية المتطورة التزامًا ثابتًا بالاعتبارات الأخلاقية والتأثير المجتمعي. نظرا لأن جوجل توسع حدود ما يمكن أن يحققه الذكاء الاصطناعي، عليها أيضًا التأكد من أن ما تقدمه يفيد شركاءها في المجتمع، مع الحفاظ على التوازن الدقيق بين التقدم والمسؤولية.

المصدر: الرياض

اترك رد

Your email address will not be published.