الذكاء الاصطناعي والأغنية العربية: فرصة أم خطر؟

34
حسام معروف

لا يكاد يمرّ يوم، لا نسمع فيه بدخول الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، إلى مجال جديد من مجالات الحياة العامة، من العلوم إلى الطب إلى الإعلام والثقافة والفنون وغيرها الكثير من المجالات. وقد انتشرت في الآونة الأخيرة تجارب تُدمج فيها أصوات مطربين في أغاني فنانين آخرين، فوجدنا أغنية للمطربة إليسا بصوت المطربة أنغام، وكذلك سمعنا نسخا متداخلة يحضر فيها صوتا شيرين وأصالة، بل ورُكّب صوت الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، على لحن للمطرب المصري عمرو دياب.

قبل أسابيع فوجئ الجمهور العربي، بإطلاق الملحن المصري عمرو مصطفى مقطعا دعائيا لأغنية من أحد ألحانه بصوت الراحلة أم كلثوم، وهذا ما أثار الجدل بين الجمهور الذي انقسم بين فريق رأى أن عودة السيدة أم كلثوم الى الغناء من خلال استخدام بصمة صوتها، تطوّر مدهش يدعو الى الاستكشاف، في حين رأى فريق آخر في هذا الأمر خرقا لكل القوانين والقواعد، ويمثّل استخفافا بالتراث الفني العربي، وعبثا بالذاكرة الجمعية للشعوب. ويبدو أن عمرو مصطفى تراجع عن إصدار هذا العمل، بعد تدخل ورثة أم كلثوم، والمنتج الفني محسن جابر، بصفته مالك شركة “صوت الفن”، والمالك الحصري لأعمال الفنانة أم كلثوم، واعتبر الورثة والمنتج، أن هذا العمل، ما هو إلا لعب وتلاعب بالموروث الفني للمطربة الكبيرة الراحلة، وأنه لا يجوز استخدام صوتها، في غناء أعمال ملحنة حديثا.

تفتح هذه الأدوات التكنولوجية الذكية، المجال للمزيد من الجدال حول الموروث الجمعي الفني والفكري، وإلى أي مدى، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي، العبث بهذا الموروث؟ كما تجدّد طرح السؤال حول حقوق الملكية الفكرية للفنان العربي، لا سيما بعد رحيله؟ تعتبر الفنانة اللبنانية أميمة الخليل في تصريحات لـ”المجلة” أننا نشهد حاليا “ترند تدخل الذكاء الاصطناعي في صناعة الأغنية، واستخدام خامة الفنان وهويته، في غناء ألحان أخرى، قديمة أو حديثة، دون إذنه، وأرى أن هذا الترند لو استمرّ لفترة طويلة، سيؤثر حتما على الذاكرة الجمعية للمجتمعات العربية، ما دام الجمهور لا يعترض، ولا يقول كلمته في هذا الإطار”.

“أخشى أن نصحو يوما على غياب الخصوصية الفنية والإبداعية، وتراجع الجمالية الثقافية التي يحملها كل فنان من خلال أعماله الخاصة، وهذا يمثل خطرا حقيقيا على مستقبل صناعة الفن” أميمة الخليل, وتضيف الخليل: “إن التأثير السلبي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفنّ بهذه الصورة، يحدِثُ اختلاطا في الهويات الفنية، ويفتح الباب على مسارات متشعّبة من الفوضى، وأخشى أن نصحو يوما على غياب الخصوصية الفنية والإبداعية، وتراجع الجمالية الثقافية التي يحملها كل فنان من خلال أعماله الخاصة، وهذا يمثل خطرا حقيقيا على مستقبل صناعة الفن”.

العبث بالموروث

يبدو أن التكنولوجيا لن تتوقف عن إحداث الصرعات الجديدة في حياة الإنسان، وفي المنطقة العربية يستقبل الجمهور هذه التقلبات بأشكال مختلفة، لكن الغالب يكون في اتجاه يضرّ بمصالح الآخرين، ويثير الذعر، ويخلط المفاهيم بعضها ببعض. تقول أميمة الخليل: “لقد أثبتت المجتمعات العربية مع الوقت أنها تستخدم الثورة الصناعية والتكنولوجية بشكل سلبي، فنذهب دوما إلى الجانب السطحي من الأشياء، بدلا من التوجه إلى الفائدة المنوطة بالتطور”. 

وتوضح أكثر: “لقد سلكنا طريق الشعوب المستهلكة، لا المنتجة، بل أصبح منتج الأفكار والإبداعات، مهمشا في بلاده، وعليه الذهاب إلى مكان آخر يتبنّى فكره وإبداعه، وهذا يضعنا أمام الأسئلة الكبرى: إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا نترك لأولادنا؟ ماذا نعلمهم؟ ربما كان علينا استخدام هذا التطور التكنولوجي الجديد والمهم، في مسار يخدم هويتنا العربية، ولا يخفي وجودها ويشتّتها”.

تعدّ وقرصنة

قد يشكّل الميل إلى تحقيق نسب مشاهدات عالية على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي ربحية أكبر، عاملا مغريا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في عملية إنتاج الفنون، دون اكتراث للقيمة الأخلاقية للعمل، أو حتى طريقة استخدامه. تبيّن أميمة الخليل أثر هذه الممارسات، والخلط المفاهيمي، فتوضح أنّ “هذا التوجه السلبي يساهم في تدمير المخيلة العربية، فبدلا من أن تساهم الأغنية في تطوير مخيلة الجمهور وتحفيزها، واستخلاص الأسئلة الجمالية، حول الهوية العربية والجمال الفني، فإن هذا يؤدّي بالجمهور إلى الانغماس في الصرعات السائدة، والبحث عنها”.

تضيف: “من المفترض أن الأغنية حافظة للتراث الفكري العربي على مدار الأجيال، لكن هذا القلب الكامل للمفاهيم، والمقاييس، يذهب بنا جميعا نحو مكان معتم، لا يحمي القيم الأخلاقية والجمالية، التي وجد من أجلها الفن… الخوف في هذا الإطار على الأجيال المقبلة، فقلائل هم من يدركون خطورة ما يحدث من فوضى في الوسط الفني، وهنا يجب على العائلة أن تبذل جهدا مضاعفا من أجل نقل الوعي بقيمة الفن وجماله”، و”بما أن الذكاء الاصطناعي حديث العهد، لا توجد قوانين تحكم عمله، ولا مقاربة وتجربة عميقة في هذا الإطار، كي نصل إلى قوانين تحكم هذه التجربة، وأعتقد بأن هذا لا يزال مبكرا. هناك أيضا مسألة حقوق الملكية الفكرية، وأتمنى ألا تزيد الاحتمالات إلى حد مقاربة جديدة تنتهك حقوق الفنان عبر الذكاء الاصطناعي، وتلغي هويته”.

البصمة الصوتية

أما الشاعر الغنائي اللبناني طوني أبي كرم، فيتوقف في تصريحات لـ”المجلة” عند مسألة الملكية الفكرية أيضا، معتبرا أن “ما يحدث خرق لحدود هذه الملكية، واغتصاب لها”. إنّ البصمة الصوتية للفنان، هي الهوية التي يبنى من خلالها حضوره في الحقل الفني، وهي الأسلوب الذي يرسخ من خلاله في وعي الجمهور، على نحو تراكمي، فكيف يمكن للفنان أو ورثته، حماية حقوقه من استخدام الآخرين له بتقنيات الذكاء الاصطناعي؟ 

يجيب أبي كرم: “هذه الفوضى لا يمكن أن تحلّ إلا عبر سنّ القوانين المناسبة، فلا يجوز لأيّ شخص استخدام البصمة الصوتية لأيّ فنان دون الرجوع إليه، ونيل موافقته، وفي حال أنه غادر العالم، يجب الحصول على موافقة ورثة الفنان الراحل، فلا أريد لأحد أن يفلح في حديقتي وهذا حقي”. “لا يجوز لأي شخص استخدام البصمة الصوتية لأي فنان دون الرجوع إليه، ونيل موافقته، وفي حال أنه غادر العالم، يجب الحصول على موافقة ورثة الفنان الراحل” طوني أبي كرم

يضيف الشاعر اللبناني: “لا يمكن إيقاف هذا المد من التطور، بأي حال، لكن يمكن تقنينه، من خلال ملاحقة المتعدّين، فلا يحق لأيّ كان، استخدام اللحن الموسيقي، دون الرجوع إلى صاحبه، أو إلى ورثته. مثل هذه القوانين يحقّق الاتزان، في ظل الاستخدام العشوائي لأدوات الذكاء الاصطناعي في مجال الغناء والموسيقى، ومن واجب الجهات المعنية، في مجال حقوق الملكية للفنانين وقف جميع الأعمال المخالفة، وتغريم المخالفين من خلال قوانين صارمة تحمي العمل الفني الخالد في الذاكرة”.   

وحول التهاون حيال تلك الخطوات المتلاحقة من التجريب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، يقول أبي كرم: “إن استخدام اللحن والبصمة الصوتية من خلال الذكاء الاصطناعي يدمّر العناصر الأساسية للفن، من خلال تدمير إحساس الشاعر، والملحن والمغني، إذ تصبح هذه الأحاسيس الإبداعية، بفعل خروقات القائمين على الذكاء الاصطناعي، سلعة خالية من أي معنى”.

مزحة سمجة 

يقيّم الناقد والباحث الموسيقى والحقوقي والشاعر فادي العبد الله الأمور من زاوية مختلفة، فيقول لـ”المجلة”: “لنقارن وضع الذكاء الاصطناعي في علاقته بالغناء، بوضعه في علاقته بالأدب. هل من المتصوّر أن يطلب أحدهم من هذا الذكاء كتابة نصوص تحمل توقيع نجيب محفوظ أو محمود درويش مثلا؟ هذا ممكن في طبيعة الحال، لكن نسب هذه النصوص إلى هذه الأسماء، لن يكون أكثر من مزحة سمجة. عبر التاريخ، كتب كثيرون نصوصا نسبوها إلى مشاهير، وغالبا ما افتُضحت بعد ذلك. بمعنى ما، أقصد أن الفعل في ذاته متاح، منذ زمن بعيد، في مجال النص، والآن يصبح متاحا في مجال الصورة والصوت، لكن الإشكالية في الحقيقة هي إلى من ينتسب العمل الفني حقا”. 

يكمل العبد الله: “هذا النسب في ما يتعلق بموضوع الذاكرة السمعية، أمر افتضاحه سهل، ولن تعدو مثل هذه الأعمال كونها مزاحا سمجا. لا أظن أنها فعلا تهدد أي شيء في الذاكرة خصوصا مع التوثيق الكافي الحاصل للقرن العشرين بأكمله”. 

ورثة الفنان   

بشكل مغاير ينظر فادي العبد الله للأمور في جانب حقوق الملكية الفكرية والصوتية، بعد وفاة الفنان، فيرى أنه “لا يمكن لورثة محفوظ أو درويش مثلا منح حقوق استعمال اسمه لكتابة نصوص جديدة. حقوق الملكية الفكرية واستعمال الاسم محصورة في إنتاجهما الماضي. بالمثل، لا أرى أن من حق ورثة أم كلثوم أو غيرها، قانونا، منح حق استخدام صوتها في استعمالات جديدة تتجاوز إنتاجها القديم. ما هو ملكهم، موقتا، هو إرثها وليس إمكان إعادة استعمال الصوت في ما لم يكن جزءا من هذا الإرث”. 

يكمل العبد الله: “أظن أن المبادئ القانونية للحقوق الفكرية تدعم مثل هذا الاستنتاج. ربما تدعو الحاجة إلى نصوص أوضح وأصرح في القوانين الحالية، لمنع اي محاولات تأويلية مختلفة. لكن المشكلة الأعمق تتعلّق باحترام القوانين أصلا في بلادنا، حتى لو أوضحت نصوصها”. 

لا مفرّ من التطور 

عن القلق المصاحب للتحوّلات التي تحدثها أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال الغناء يفيدنا العبد الله: “أحسب أن الإنسان يبتكر باستمرار أدوات تقنية، وليس الذكاء الاصطناعي هذا إلا أداة جديدة. وكلّ أداة تغيّر بعمق في مجالات استعمالها. هل الإنسان مستعد لتغييرات عميقة جديدة في علاقاته بأمور كثيرة (منها الصوت) أم لا؟ الأرجح أن التغييرات دائما ما تفاجئ البشر، ولا مفر من ذلك. لكنها ليست بالضرورة مضرّة في ذاتها حتى وإن استتبعت الحنين عندنا. التغييرات تتعلق بأجيال مقبلة لم نعرفها بعد، ولهؤلاء علاقات مختلفة حكما بالصوت والصورة والواقع والافتراض والجسد”.

المصدر: المجلة

اترك رد

Your email address will not be published.