AI بالعربي – متابعات
أعلنت شركة آبل دخولها في شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع جوجل، تعتمد بموجبها على نماذج الذكاء الاصطناعي Gemini والبنية السحابية المرتبطة بها لتشغيل الجيل القادم من مزايا Apple Intelligence، وفي مقدمتها نسخة معاد تصميمها من المساعد الصوتي Siri، في خطوة تعكس اعترافًا ضمنيًا بالتحديات التي واجهتها الشركة في سباق الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين.
وبحسب ما نقلته شبكة CNBC الإخبارية الأميركية، تخطط آبل لطرح هذه المزايا بشكل تدريجي خلال الأشهر المقبلة، على أن تظهر النسخة الأكثر تقدمًا وتخصيصًا من Siri خلال عام 2026، وهو جدول زمني يمنح الشركة مساحة لإعادة بناء البنية التقنية للمساعد الصوتي دون تعريض تجربة المستخدم لمخاطر الأداء غير المستقر.
تقييم تقني شامل يقود إلى اختيار Gemini
في بيان رسمي مشترك، أوضحت آبل أن قرارها جاء بعد عملية تقييم دقيقة شملت عدة تقنيات ونماذج متاحة في السوق، مؤكدة أن تقنيات جوجل وفرت الأساس الأكثر قدرة على دعم Apple Foundation Models، إضافة إلى قابلية أعلى للتكامل مع منظومة Apple Intelligence، دون الإخلال بمعايير الخصوصية التي تشكل حجر الزاوية في فلسفة الشركة.
وأضاف البيان أن الجزء الأكبر من عمليات الذكاء الاصطناعي سيستمر في العمل مباشرة على أجهزة آبل، بينما ستُنفذ الطلبات الأكثر تعقيدًا عبر بنية Private Cloud Compute، وهي خوادم مملوكة لآبل تعمل داخل مراكز بياناتها، ما يضمن بقاء البيانات تحت سيطرة الشركة وعدم انتقالها إلى خوادم جوجل.
جدول زمني تدريجي لتفادي تكرار إخفاقات الماضي
تعكس استراتيجية الإطلاق المرحلي رغبة آبل في تفادي أخطاء سابقة، بعدما أدى تسريع طرح مزايا غير ناضجة خلال 2024 إلى انتقادات واسعة تتعلق بدقة Siri وقدرته على تنفيذ الأوامر المعقدة، وهو ما دفع الشركة إلى إعادة ترتيب أولوياتها التقنية بدل الاستمرار في سباق السرعة مع المنافسين.
ويرى محللون أن هذا النهج يمنح آبل فرصة لاختبار الأداء الحقيقي للنماذج الجديدة على نطاق محدود، قبل توسيع الاعتماد عليها داخل منظومة آيفون وآيباد وماك، خصوصًا مع ارتفاع توقعات المستخدمين تجاه المساعدات الذكية.
كلفة مرتفعة تكشف حجم الرهان
تعيد هذه الشراكة إلى الواجهة مفاوضات غير معلنة بدأت منذ مارس من العام الماضي، إذ أشارت تقارير تقنية إلى أن الاتفاق قد يكلف آبل أكثر من مليار دولار سنويًا، وهو رقم يعكس حجم الرهان الذي تضعه الشركة على إعادة ضبط مسارها في الذكاء الاصطناعي.
وخلال العامين الماضيين، درست آبل التعاون مع عدة جهات، من بينها OpenAI وأنثروبيك، إلا أن القرار النهائي مال لصالح جوجل، في إشارة إلى أولوية الجاهزية التشغيلية والاستقرار على حساب التجريب السريع.
أزمة Siri التقنية تفرض تغيير المسار
يأتي الإعلان في وقت يواجه فيه Siri تحديات بنيوية معقدة، إذ كشفت تقارير داخلية أن المساعد الصوتي يعتمد على نظام تقني مجزأ يجمع بين بنى قديمة ونماذج توليدية حديثة، ما يجعل عمليات التحديث بطيئة ومعرضة للأخطاء المتكررة.
هذا التعقيد أدى إلى تأجيل مزايا أساسية، رغم الوعود المتكررة بتقديم Siri أكثر ذكاء وتخصيصًا، وهو ما جعل الشراكة مع جوجل تبدو خيارًا اضطراريًا أكثر منها ترفًا تقنيًا.
تطوير داخلي لا يتوقف رغم الاعتماد الخارجي
ورغم الاعتماد المرحلي على Gemini، تؤكد آبل أنها تواصل العمل على تطوير نماذجها اللغوية الخاصة، بما في ذلك نموذج ضخم يقترب حجمه من تريليون معلمة، في محاولة لاستعادة السيطرة الكاملة على تقنيات الذكاء الاصطناعي الأساسية على المدى الطويل.
محللون يرون أن هذه المقاربة تعكس درسًا تعلمته الشركة من تجارب منافسين، إذ واجهت جوجل نفسها صعوبات مشابهة في بدايات السباق، قبل أن تقلص الفجوة أمام لاعبين مثل OpenAI وChatGPT.
الخصوصية تحكم شكل التعاون مع جوجل
أحد الجوانب الأكثر حساسية في الاتفاق يتمثل في آلية تشغيل Gemini، حيث شدد محللون على أن النماذج ستعمل داخل مراكز بيانات آبل، وليس عبر خوادم جوجل العامة، بما يحافظ على صورة الشركة في مجالي الأمان وحماية البيانات.
كما يُتوقع أن تتيح آبل للمستخدمين خيار الموافقة الصريحة قبل مشاركة أي طلبات مباشرة مع Gemini، في حال تطلبت بعض المزايا مستوى معالجة يتجاوز قدرات الجهاز.
تفاصيل تقنية ما زالت قيد الغموض
ورغم الإعلان الرسمي، لا تزال آلية الدمج التقنية غير واضحة بالكامل، إذ لم يُحسم بعد ما إذا كانت آبل ستعتمد Gemini كنماذج جاهزة مع تخصيص داخلي، أم ستدخل في تعاون مستمر بين فرق التطوير لدى الشركتين لضمان تحسين Siri بوتيرة منتظمة.
غير أن تركيز البيان المشترك على مفهوم الحوسبة السحابية الخاصة يوحي بنموذج قريب من التعاون السابق بين آبل وOpenAI، مع تشديد صارم على موافقة المستخدم.
علاقة تعاون تنافسي تعيد رسم ملامح السوق
تأتي هذه الشراكة في سياق علاقة معقدة بين آبل وجوجل تمتد لأكثر من عقد، تجمع بين المنافسة المباشرة والتعاون التجاري، ومن أبرز مظاهرها الاتفاق الذي يجعل جوجل محرك البحث الافتراضي في أجهزة آبل، وهو اتفاق شكّل في وقت سابق نسبة كبيرة من حركة البحث لدى جوجل.
وسمح حكم قضائي أميركي صدر العام الماضي باستمرار هذه المدفوعات، ما اعتبره محللون عاملًا رئيسيًا مهّد الطريق أمام الإعلان الجديد، ضمن ما يُعرف بعلاقة التعاون التنافسي.
مكاسب مشتركة ومخاوف تنظيمية محتملة
يرى محللون أن الاتفاق يمنح آبل فرصة لتجاوز تعثرها التقني والتركيز على تجربة المستخدم، بينما يتيح لجوجل ترسيخ Gemini كنموذج أساسي لدى قاعدة ضخمة من مستخدمي أجهزة آبل، ما يعزز حضورها في سوق المساعدات الذكية.
في المقابل، يحذر خبراء قانونيون من أن هذه الشراكة قد تثير مستقبلًا تساؤلات تنظيمية تتعلق بمكافحة الاحتكار، خاصة إذا أسهم الاتفاق في تعزيز هيمنة أحد الطرفين على حساب المنافسين.








