AI بالعربي – متابعات
يشهد التعليم العالي تحوّلًا عميقًا بفعل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، ما أعاد طرح سؤال جوهري: هل أصبح الطلاب أكثر تمكّنًا تقنيًا من محاضريهم؟ أحدث استطلاع حول “الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي” كشف فجوة واضحة في الثقة والمهارات بين الطرفين، في وقت تتسارع فيه وتيرة الاعتماد على التقنيات الرقمية داخل القاعات الدراسية.
أظهر الاستطلاع أن 25% فقط من المحاضرين يشعرون بالثقة في قدرتهم على اكتشاف الأعمال الأكاديمية التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، وهي نسبة تراجعت مقارنة بالعام الماضي حين بلغت 42%، وهو ما يعكس صعوبة مواكبة التطور السريع للأدوات مثل ChatGPT وغيرها من أنظمة التوليد النصي، كما يضع الجامعات أمام تحدٍ مباشر مع تزايد صعوبة التمييز بين العمل البشري والمحتوى المُولّد آليًا، ما يدفع المؤسسات الأكاديمية إلى إعادة النظر في أساليب التقييم ومعايير النزاهة.
وتشير النتائج إلى أن الطلاب باتوا أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، إذ أفاد 48% منهم باستخدامه في ما يقرب من نصف أنشطتهم الدراسية، بينما أكد 80% أن الأدوات الرقمية حسّنت درجاتهم الأكاديمية، وهو ما يعكس تحوّلًا واضحًا في طريقة التعلم، حيث لم تعد هذه الأدوات مجرّد مساعدة إضافية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الممارسة التعليمية اليومية لدى شريحة واسعة من الطلبة.
وفي المقابل، أوضح الاستطلاع أن 68% من المحاضرين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام في أعمالهم، إلا أن الثقة في كفاءة الاستخدام داخل الجامعات ما تزال محدودة، إذ رأى 27% فقط أن المؤسسات الأكاديمية تمتلك كوادر مؤهلة لاستخدام هذه التقنية بفعالية، وهو ما يسلّط الضوء على فجوة مهارية بين الاستخدام العملي وبين القدرة على توظيف الأدوات بصورة استراتيجية ومنهجية داخل التدريس والتقييم.
وبالتزامن مع ذلك، يتصاعد الجدل حول مفهوم الغش الأكاديمي في ظل الذكاء الاصطناعي، إذ رأى 50% من المحاضرين و47% من الطلاب أن الاعتماد عليه لإنجاز الواجبات الجامعية يجب اعتباره غشًا، بينما قال 55% من المحاضرين و67% من الطلاب إن تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي ساهم في تسهيل اجتياز الامتحانات، ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الحدود الفاصلة بين الدعم التعليمي المشروع وبين اختصار الجهد بصورة قد تخل بعدالة التقييم.
وعند تقييم التأثير الكلي للذكاء الاصطناعي على التعليم العالي، بدت نظرة المحاضرين أكثر تشاؤمًا نسبيًا من الطلاب، حيث وصف 15% من المحاضرين التأثير بأنه سلبي مقابل 6% فقط من الطلاب، رغم اتفاق أغلب المشاركين على أن التقنية تملك أثرًا إيجابيًا عامًا على التعليم، وهو اختلاف يرتبط بتباين الأدوار داخل المنظومة، بين طالب يلمس الأثر في التحصيل، ومحاضر يواجه تحديات ضبط الجودة والتأكد من أصالة الأعمال.
وقالت مارني بيكر شتاين، رئيسة قسم المحتوى في كورسيرا، إن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في كل جوانب التعليم العالي، لكن العديد من الأساتذة يجدون صعوبة في مواكبة تأثيراته العملية والمهنية، مؤكدة وجود حاجة ملحّة لتوفير تدريب إضافي يضمن شعور المحاضرين بالثقة في اكتشاف واستخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، بما يواكب التحول المتسارع في بيئات التعلم.
ولا تشير البيانات إلى تفوق معرفي مباشر للطلاب بقدر ما تكشف تفوقًا في سرعة التكيّف مع الأدوات الجديدة، فالذكاء الاصطناعي لا يجعل أحدًا أذكى تلقائيًا، لكنه يعيد توزيع موازين القوة داخل القاعة الدراسية، ويمنح الأفضلية لمن يتقن الاستخدام الواعي، ومع اتساع نطاق هذه الأدوات، يصبح السؤال الأهم في المرحلة المقبلة هو كيفية إدماجها ضمن إطار تعليمي وأخلاقي واضح يوازن بين التطوير وحماية النزاهة الأكاديمية.








