مزايا الذكاء الاصطناعي وأضراره

22

جون ثرونهيل

على الرغم من مرور 37 عامًا على قيام المؤرخ ميلفين كرانزبيرغ بكتابة مقالته حول «قوانين التكنولوجيا»، باعتبارها «ليست جيدة ولا سيئة، لكنها أيضًا تفتقد الحياد»، ما زالت أصداء هذه الكلمات تتردد في عالم تقنيات الذكاء الاصطناعي سريع التطور.

وكما أوضح المؤرخ في مقالته، فإن اعتبار التكنولوجيا سيئة أو جيدة يعتمد غالباً على السياق والزمن الذي يجري الحكم فيه عليها؛ إذ من الممكن للأداة التكنولوجية نفسها، في سياق مختلف، أن تمنحنا نتائج مختلفة أيضاً، وهذا ما قد يتغير بتغير الظروف المحيطة.

فعلى على سبيل المثال، رغم أن العالم احتفى في الماضي بإنتاج مبيد دي.دي.تي. المقاوم للآفات والحشرات الحاملة لبكتيريا الملاريا، في مسعى منه لحماية الإنسان والإنتاج الزراعي من خطر المرض القاتل؛ فإن العديد من الدول حول العالم قامت بحظر استخدام المبيد بعد أن اكتشفت العالمة البيئية راشيل كيرسون أضراره على الزراعة، وتسببه بحالات تسمم لدى الإنسان.

ورغم ذلك ظلت الهند تسمح باستخدام مبيد دي.دي.تي للوقاية من المرض والحشرات، وهو ما أسهم بالفعل في تقليل عدد الوفيات السنوي من الملاريا من 750 ألف حالة وفاة إلى 1500 حالة.

ثمَّة حالتان حديثتان مختلفتان من استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي، توضحان الازدواجية التي تزيد من صعوبة فصل الجيد عن السيئ عند الحكم على استخدامات الذكاء الاصطناعي.

الأولى، وهي الحالة الجيدة، بدأت عام 1971، عندما بدأ متطوعون بالعمل على مشروع جوتنبيرغ لبناء مكتبة رقمية عامة ومجانية.

وقد بات المشروع يوفر الآن نحو 60 ألفًا من الكتب الرقمية التي لا تتمتع بحقوق الطبع والنشر، فلسنوات طويلة اجتهد المتطوعون لتحويل الكتب الرقمية إلى كتب مسموعة، رغم التكاليف المرتفعة لهذه الآلية، في إطار مهمة تستهدف القضاء على الجهل والأمية، للمساعدة في تمكين الأشخاص المصابين بضعف البصر من الاستفادة من موارد المكتبة. والآن، أتاح الذكاء الاصطناعي إنجاز نحو خمسة آلاف كتاب صوتي بسرعة فائقة وبأقل تكلفة، ويتم نشرها عبر منصات «جوجل» و«سبوتيفاي» و«آبل».

وقد عمل باحثون متطوعون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وشركة مايركروسوفت على استخدام موارد المشروع السمعي في ابتكار أحدث أدوات تكنولوجيا تقليد الأصوات البشرية ونبرتها، لخلق نحو 35 ألف ساعة تسجيلية من الكتب المسموعة فيما يزيد على ساعتين بقليل.

يقول لي مارك هاملتون، الباحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأحد المشاركين في قيادة المشروع: «يفوق أداء الروبوت أداء الإنسان الطبيعي». ويضيف: «ولكن الهدف هو الإنتاج بطريقة أكثر سرعة، وبأقل قدر ممكن من الجهد».

وقد توصل الباحثون باستخدام تلك التقنية إلى ابتكار تطبيق يمكنه قراءة الكتب الرقمية بصوت أي شخص كان، اعتماداً على عينة مدتها خمس ثوانٍ فقط من صوته الحقيقي.

وعلى الرغم من إمكانية استخدام صوت أحد الوالدين في هذا التطبيق لقراءة القصص الليلية لأطفالهم حتى عندما يكونون على مسافة بعيدة عن المنزل، فإن هناك أخطارًا قد تنجم عن تطبيقات «الاستنساخ الصوتي» كان فريق البحث متخوفًا منها عند إطلاق هذه التكنولوجيا الحديثة.

ويقول هاملتون: «يود كثير من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي أن يصفوه كعالم وردي، ولكن في واقع الأمر التعلم الآلي أداة قوية جدًا، يمكن إيجاد أدوار لها في كل من ممارسات الخير أو الشر».

واحد من الأمثلة على سوء استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حدث خلال الشهر الجاري في مدينة ألمندراليخو الإسبانية، عندما صدمت مجموعة من الفتيان المجتمع، من خلال تزييف صور عارية لثماني وعشرين فتاة إسبانية، ونشرها عبر تطبيقات المحادثة الفورية «واتساب» و«تيلجرام».

وقد جرت عملية التلاعب بالصور عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة بعد أن حصل أولئك الفتية على صور الفتيات الأصلية من حساباتهن على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي وقت يدور الجدل حول هذه القضية، يتحقق المدعي العام مما إذا كان ثمَّة جريمة قد ارتكبت.

وقالت غيما لورينزو، وهي أم لابن يبلغ من العمر 16 عامًا وابنة تبلغ من العمر 12 عامًا، لهيئة الإذاعة البريطانية: «جميع الآباء قلقون»، وأضافت بقولها: «يعترينا القلق بشأن أمرين: إذا كان لديك ابن فأنت تقلق من احتمال تورطه بارتكاب شيء من هذا القبيل؛ وإذا كان لديك ابنة، فأنت تشعر بقدر أكبر من القلق؛ لأنها قد تتعرض لعمل يصنف ضمن أعمال الاعتداء».

وترجع المخاطر المحتملة للأجيال الجديدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى كونها تقنيات يسهل الوصول إليها، كما يمكن نشرها بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع، ففي غضون شهرين على إطلاقه كان أكثر من مئة مليون شخص حول العالم قد خاض تجربة استخدام برنامج «تشات جي بي تي»، الخاص بشركة «أوبن آيه آي»، عدا عن استخدام التقنيات متعددة الوسائط، وهي التقنيات الأكثر قوة، كونها تجمع بين النصوص والصور والصوت والفيديو.

ويقول كرانزبيرغ: «كثير من مشاكلنا ذات العلاقة بالتكنولوجيا نشأت نتيجة العواقب غير المتوقعة التي تستخدم فيها التقنيات الجيدة في ظاهرها». ويمكن إسقاط تلك الفكرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد أصبح ذلك ممكنًا أيضًا في حالة تقنيات الذكاء الاصطناعي. ورغم ذلك، وكما هي الحال بالنسبة لأي تكنولوجيا سابقة، فإن هناك فترة فوضوية من التكيف السلوكي والمجتمعي والتشريعي ستتبع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد وصفت شركة سيكويا المالية خلال الشهر الجاري تقنيات الذكاء الاصطناعي بأنها لا تزال في «سنوات المراهقة الحرجة، وستحقق نموًا كبيرًا، ولكن لا بد من تدخل أبوي مطلوب».

المصدر: البيان

اترك رد

Your email address will not be published.