الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد الاحتيال الرقمي عالميًا مع تورط التقنية في 74% من جرائم الهوية

AI بالعربي – متابعات

لم يعد الاحتيال الرقمي ظاهرة عابرة أو حوادث متفرقة في عالم الاقتصاد الرقمي. بل أصبح منظومة واسعة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها أدوات الذكاء الاصطناعي. يكشف تقرير “الحالة العالمية للاحتيال والهوية 2026” الصادر عن شركة “LexisNexis Risk Solutions” أن التحول الرقمي الذي سرّع التجارة الإلكترونية أسهم أيضًا في تسريع وتيرة الجرائم المالية عبر الإنترنت.

يعتمد التقرير على تحليل أكثر من 103 مليارات معاملة رقمية حول العالم، إضافة إلى رصد ما يزيد على 104 مليارات هجوم نفّذه مستخدمون حقيقيون. كما شمل استطلاعًا ضم 1082 مسؤولًا يعملون في مجال مكافحة الاحتيال. هذا الحجم الضخم من البيانات يعكس مدى انتشار المخاطر المرتبطة بالهوية الرقمية داخل البنية الاقتصادية الحديثة.

تشير نتائج التقرير إلى أن الاحتيال الرقمي لم يعد نشاطًا فرديًا محدودًا. بل أصبح منظومة اقتصادية شبه متكاملة تعتمد على شبكات منظمة وأدوات تقنية متطورة. وتظهر البيانات أن المجرمين يستفيدون من التطور السريع في الذكاء الاصطناعي لإنشاء هويات مزيفة أو مستندات رقمية تبدو حقيقية.

من أبرز الظواهر التي رصدها التقرير الارتفاع الكبير فيما يُعرف بـ”احتيال الطرف الأول”. يشير هذا المصطلح إلى حالات الاحتيال التي ينفذها عملاء حقيقيون ضد المؤسسات المالية أو التجارية التي يتعاملون معها. ارتفعت نسبة هذا النوع من الاحتيال إلى 36% من إجمالي الحالات المسجلة هذا العام. وكانت النسبة لا تتجاوز 15% في العام السابق.

يعني ذلك أن الظاهرة تضاعفت أكثر من مرتين خلال عام واحد فقط. ويتوقع التقرير أن تصل الخسائر الناتجة عن هذا النوع من الاحتيال إلى نحو 3.9 مليار دولار خلال عام 2025. وقد ترتفع هذه الخسائر إلى 4.8 مليار دولار بحلول عام 2028 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

يظهر تأثير هذا النمط الاحتيالي بوضوح في قطاع التجزئة العالمي. يقدّر التقرير أن نحو 15% من عمليات إرجاع السلع في التجارة الإلكترونية كانت عمليات احتيال. تسبب ذلك في خسائر مالية للشركات بلغت قرابة 103 مليارات دولار خلال عام واحد فقط.

تكشف البيانات أن هذه الظاهرة لا تقتصر على فئة عمرية محددة. أقرّ نحو 18% من كبار جيل الألفية بممارسات احتيالية مرتبطة بإرجاع السلع. وبلغت النسبة 16% بين صغار جيل الألفية. أما جيل “زد” فقد بلغت النسبة بينهم 13%.

تنخفض هذه النسبة تدريجيًا لدى الفئات العمرية الأكبر. إذ سجّل صغار جيل طفرة المواليد نحو 10 في المائة. بينما تراجعت النسبة إلى 7 في المائة لدى كبار هذا الجيل وكبار السن. ويربط التقرير هذه السلوكيات بارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية التي تواجه كثيرًا من المستهلكين.

في المقابل، يكشف التقرير عن جانب آخر أكثر تنظيمًا وخطورة. يتعلق هذا الجانب بما يُعرف باقتصاد الإنترنت المظلم. تعمل الأسواق الرقمية غير القانونية هناك بأساليب تشبه الشركات التقنية الحديثة. وتقدم خدمات احتيالية جاهزة يمكن لأي مستخدم شراؤها بسهولة.

رصد التقرير وجود 31 سوقًا رئيسة على الإنترنت المظلم منذ عام 2011. أغلقت السلطات العديد من هذه الأسواق نتيجة عمليات إنفاذ القانون. لكن كل عملية إغلاق كانت تتبعها غالبًا منصات جديدة تظهر بسرعة.

تعتمد هذه الأسواق نموذج عمل قريبًا من خدمات البرمجيات السحابية. تباع حزم الاحتيال الجاهزة بأسعار تتراوح بين 400 و700 دولار. كما تقدم خدمات تجاوز إجراءات “اعرف عميلك” أو KYC مقابل نحو 1000 دولار للحساب الواحد.

تشمل هذه الخدمات بيع هويات رقمية اصطناعية وحسابات مصرفية موثّقة. كما توفر برامج تدريب وإرشاد تساعد المبتدئين على دخول عالم الاحتيال بسرعة. وتشير التقديرات إلى أن إحدى هذه الأسواق سجلت مبيعات شهرية بلغت نحو 12 مليون دولار قبل إغلاقها.

كما يقدّر التقرير أن أحد أشهر متصفحات الإنترنت المظلم يجذب نحو 4.6 مليون مستخدم يوميًا. تعكس هذه الأرقام حجم الاقتصاد غير القانوني الذي نشأ حول الاحتيال الرقمي عالميًا.

يتزامن هذا التوسع مع نمو المدفوعات الرقمية حول العالم. يتوقع التقرير أن تمثل المحافظ الرقمية نحو 50 في المائة من معاملات التجارة الإلكترونية بحلول عام 2026. كما يتوقع أن تصل أصول البنوك الرقمية إلى نحو تريليون دولار بحلول عام 2028.

في الوقت نفسه، تعيد أنظمة الدفع الفوري تعريف سرعة المعاملات المالية. تشمل هذه الأنظمة “UPI” في الهند و”PIX” في البرازيل. تسمح هذه الأنظمة بتنفيذ المدفوعات خلال ثوانٍ معدودة.

لكن هذه السرعة العالية تقلّص أيضًا وقت اكتشاف الاحتيال أو منعه. لذلك تواجه المؤسسات المالية تحديًا متزايدًا في مراقبة العمليات المشبوهة قبل إتمامها.
يكشف التقرير أن 74 في المائة من حالات احتيال الهوية أصبحت تتضمن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

يستخدم المهاجمون هذه الأدوات لإنشاء هويات رقمية اصطناعية. كما يستخدمونها لتوليد صور “سيلفي” مزيفة أو مستندات رسمية مزورة لتجاوز أنظمة التحقق.
بذلك أصبح الذكاء الاصطناعي أداة يستخدمها الطرفان. تعتمد المؤسسات عليه لتعزيز أنظمة الحماية. وفي المقابل يستخدمه المحتالون لتطوير أساليب الهجوم.

لم تعد عملية التحقق من الهوية تعتمد على الوثائق الرسمية فقط. تعتمد النماذج الحديثة على تحليل عدة مؤشرات رقمية في وقت واحد. تشمل هذه المؤشرات الجهاز المستخدم والموقع الجغرافي وسلوك المستخدم الرقمي وسجل معاملاته السابقة.

كما تعتمد بعض الأنظمة على تحليل المؤشرات البيومترية مثل بصمة الوجه أو الصوت. لكن التقرير يشير إلى أن التزييف العميق يضعف موثوقية هذه الأدوات. فقد أصبح بالإمكان إنشاء تسجيلات صوتية أو صور واقعية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

لذلك تتجه المؤسسات إلى نماذج تحقق تعتمد على التحليل السياقي والاستخبارات الشبكية. يدرس هذا النهج العلاقات بين الأجهزة والحسابات والسلوكيات الرقمية بدل الاعتماد على نقطة تحقق واحدة.

أبرز استنتاجات التقرير تتعلق بأهمية تبادل البيانات بين المؤسسات. تشير النتائج إلى أن مشاركة استخبارات المخاطر تساعد على تحسين معدلات كشف الاحتيال بشكل كبير.

أظهر التحليل أن دمج بيانات المخاطر التشاركية يمكن أن يحسن قدرة الأنظمة على كشف الاحتيال بأكثر من 30 في المائة مقارنة بالأنظمة المنعزلة. كما أظهر أحد النماذج التجريبية تحسنًا بنسبة 63 في المائة في أداء أنظمة الكشف بعد دمج البيانات الشبكية.

حقق هذا التحسن وفرًا ماليًا يقدّر بنحو 1.6 مليون دولار في إحدى الحالات التطبيقية. تعكس هذه النتائج أهمية التعاون بين المؤسسات في مواجهة الجرائم الرقمية المعقدة.

تكشف نتائج تقرير 2026 أن الاحتيال الرقمي يتطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها الاقتصاد الرقمي العالمي. تضاعف احتيال الطرف الأول خلال عام واحد. كما أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا رئيسًا في نحو ثلاثة أرباع عمليات احتيال الهوية.

في الوقت ذاته، تعمل أسواق الإنترنت المظلم بأسلوب يشبه الشركات التقنية العالمية. بينما تتوسع المدفوعات الرقمية بمعدلات غير مسبوقة.

لذلك لم يعد السؤال اليوم هل تتزايد المخاطر الرقمية. الأرقام تؤكد أن ذلك يحدث بالفعل. السؤال الحقيقي يتعلق بسرعة تطوير أنظمة الحماية. وحتى الآن، يبدو أن سباق التكنولوجيا بين المحتالين وأنظمة الدفاع لا يزال مفتوحًا.

Related Posts

منصة “إكس” تشدد سياساتها وتمنع الربح من فيديوهات الحرب المولدة بالذكاء الاصطناعي

AI بالعربي – متابعات أعلنت منصة “إكس”، المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك، تعديل سياساتها المتعلقة ببرنامج تقاسم أرباح الإعلانات، وذلك بهدف الحد من انتشار مقاطع الفيديو الحربية المفبركة التي تُنتج…

توتر الذكاء الاصطناعي العسكري يعيد “Anthropic” و”البنتاغون” إلى المفاوضات

AI بالعربي – متابعات عادت شركة الذكاء الاصطناعي “Anthropic” إلى طاولة التفاوض مع وزارة الدفاع الأميركية في محاولة جديدة لحسم الخلاف حول استخدام الجيش الأميركي لنماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

  • نوفمبر 29, 2025
  • 369 views
الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

  • نوفمبر 22, 2025
  • 393 views
الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

  • نوفمبر 10, 2025
  • 505 views
الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

  • نوفمبر 8, 2025
  • 559 views
في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

  • أكتوبر 30, 2025
  • 557 views
“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر

  • أكتوبر 12, 2025
  • 655 views
الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر