AI بالعربي – متابعات
تشير دراسة حديثة إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تستطيع خفض استهلاك الكهرباء عند الحاجة دون التأثير في تشغيل المهام الحيوية. ويعكس هذا التطور تحولًا مهمًا في طريقة تعامل هذه المراكز مع شبكات الطاقة. إذ يمكنها تعديل الطلب على الكهرباء بشكل ديناميكي بدل الاعتماد على الاستهلاك المستمر الذي يضغط على الشبكات ويرفع التكاليف.
أظهرت التجارب التي أُجريت في المملكة المتحدة قدرة مراكز البيانات على الاستجابة السريعة لتغيرات الطلب على الطاقة. ويعني ذلك أن هذه المنشآت يمكن أن تتحول من عبء على الشبكات إلى عنصر يساعد على استقرارها. ويزداد هذا الدور أهمية مع توسع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي حول العالم.
نفذ الباحثون اختبارًا عمليًا في مركز بيانات يقع في لندن. واستمر الاختبار خمسة أيام خلال ديسمبر 2025. وخلال هذه الفترة جرى تنفيذ أكثر من 200 “حدث شبكي” افتراضي. وهدفت هذه الاختبارات إلى قياس قدرة المركز على رفع أو خفض استهلاك الكهرباء بسرعة عند الحاجة.
اعتمدت التجربة على برمجيات طورتها شركة Emerald AI. وشارك في الدراسة عدد من الشركاء في قطاع التكنولوجيا والطاقة. ومن بينهم شركة إنفيديا وشركة National Grid وشركة Nebius إضافة إلى معهد أبحاث الطاقة الكهربائية غير الربحي.
أظهرت النتائج قدرة مركز البيانات على ضبط استهلاك الكهرباء وفق المتطلبات المحددة في كل اختبار. وخلال بعض الحالات تمكن المركز من خفض استهلاك الطاقة بنسبة وصلت إلى 40%. ورغم هذا الخفض الكبير استمرت المهام الأساسية في العمل دون أي تعطّل.
توضح هذه النتيجة أن تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يتطلب دائمًا استهلاكًا ثابتًا من الطاقة. بل يمكن تعديل الأحمال الحاسوبية وفق حالة الشبكة الكهربائية. ويعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو تشغيل مراكز بيانات أكثر كفاءة واستدامة.
اختبرت التجربة أيضًا قدرة المركز على الاستجابة للتغيرات المفاجئة في الطلب على الكهرباء. وخلال إحدى الحالات خفّض المركز استهلاكه بنسبة 10% لمدة استمرت عشر ساعات. وفي اختبار آخر خفّض الأحمال بنسبة 30% خلال ثلاثين ثانية فقط.
ارتبطت بعض الاختبارات بفترات يرتفع فيها استهلاك الكهرباء بشكل ملحوظ. ومن بين هذه الفترات الاستراحة بين شوطي مباريات كرة القدم. إذ يرتفع الطلب على الطاقة عندما يشغّل ملايين المشاهدين الأجهزة المنزلية في الوقت نفسه. ونجح مركز البيانات في تقليل استهلاكه خلال تلك الفترات لتخفيف الضغط على الشبكة.
تؤكد هذه التجارب أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تلعب دورًا جديدًا في منظومة الطاقة. فهي لم تعد مجرد مستهلك كبير للكهرباء. بل يمكنها أن تصبح عنصرًا مرنًا يدعم استقرار الشبكة.
تخطط شركة إنفيديا للاستفادة من نتائج الدراسة في مشروع جديد واسع النطاق. ويهدف المشروع إلى إنشاء ما يسمى “مصنع ذكاء اصطناعي مرن الطاقة”. وتبلغ قدرة المشروع المخطط لها 100 ميغاواط. ومن المقرر تشغيله في ولاية فيرجينيا الأميركية.
يمثل هذا المشروع نموذجًا أوليًا للبنية التحتية المستقبلية للذكاء الاصطناعي. إذ يجمع بين القدرة الحاسوبية العالية والمرونة في استهلاك الطاقة. ويعتقد الخبراء أن هذا النموذج قد يصبح معيارًا لمراكز البيانات في السنوات المقبلة.
قال جوش باكر رئيس الاستدامة في إنفيديا إن نتائج التجربة تؤكد إمكانية دمج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مع شبكات الطاقة بشكل أكثر ذكاء.
وأضاف أن الأنظمة المبنية على تقنيات الشركة يمكنها العمل كعنصر واعٍ بالشبكة. فهي تضبط استهلاك الكهرباء لحظيًا لدعم استقرار النظام الكهربائي.
أوضح باكر أن جعل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي أكثر مرونة في استهلاك الطاقة يحقق فوائد متعددة. فهو يساعد على تسريع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما يقلل الحاجة إلى تحديثات مكلفة في شبكات الكهرباء.
يشير هذا التوجه إلى تحول مهم في العلاقة بين التكنولوجيا والطاقة. ففي الماضي كانت مراكز البيانات تعتمد على إمدادات كهرباء ثابتة وكبيرة. أما الآن فيمكنها التكيف مع تغيرات الشبكة بشكل لحظي.
تتوقع الجهات المشاركة في الدراسة أن يساهم هذا النموذج في تحسين إدارة الطاقة في قطاع الذكاء الاصطناعي. ولهذا تعتزم مشاركة نتائج البحث مع شركات التكنولوجيا والهيئات التنظيمية وصناع السياسات.
يهدف هذا التعاون إلى تطوير سياسات جديدة لإدارة استهلاك الطاقة في مراكز البيانات. كما يمكن أن يساعد على تسريع الموافقات التنظيمية لمشروعات البنية التحتية الجديدة.
تشير التقديرات إلى أن الطلب على الطاقة من مراكز البيانات سيواصل الارتفاع في السنوات المقبلة. ويرتبط هذا النمو بتوسع استخدام تقنيات مثل ChatGPT والنماذج التوليدية الأخرى. كما يعتمد العديد من الشركات على أدوات الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية.
في ظل هذا التوسع تبحث الحكومات وشركات الطاقة عن حلول تقلل الضغط على الشبكات الكهربائية. وتوفر مراكز البيانات المرنة أحد أهم هذه الحلول.
يؤكد الخبراء أن خفض الاستهلاك خلال فترات الذروة قد يحقق مكاسب اقتصادية لمشغلي مراكز البيانات. إذ تنخفض تكاليف الكهرباء في أوقات معينة عند تقليل الطلب. كما يصبح من الأسهل الحصول على موافقات لربط منشآت جديدة بالشبكة.
قال ستيف سميث رئيس National Grid Partners إن الهدف من هذه المبادرات يتمثل في تسريع عملية توصيل العملاء الجدد بشبكات الكهرباء. وأوضح أن الشركات تعمل على تقليص مدة الانتظار التي قد تستغرق سنوات.
أضاف سميث أن الطموح الحالي يتمثل في خفض فترة توصيل مراكز البيانات الجديدة بالشبكة إلى نحو عامين. ويرى أن تطوير أنظمة مرنة لإدارة الطاقة يمثل جزءًا أساسيًا من تحقيق هذا الهدف.
يرى محللون أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على قوة الحوسبة. بل يعتمد أيضًا على القدرة على إدارة الطاقة بكفاءة. فكلما زادت كفاءة استهلاك الكهرباء زادت قدرة الشركات على توسيع البنية التحتية الرقمية.
تؤكد نتائج الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في حل بعض التحديات التي يسببها. فالتقنيات التي تستهلك الطاقة يمكن أن تسهم أيضًا في إدارتها بشكل أفضل.
ومع استمرار الاستثمار في هذا المجال قد تتحول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في استقرار شبكات الكهرباء العالمية. وهذا التحول قد يغير الطريقة التي ينظر بها قطاع الطاقة إلى البنية التحتية الرقمية في المستقبل.








