“مملكة النفط” التي تحولت إلى مملكة للذكاء الاصطناعي

37

علي قاسم

بالنسبة إلى المتابع المجتهد للتغيرات التي تشهدها المملكة العربية السعودية منذ عام 2017 لا يعتبر حصول المملكة على المركز الأول عالميا في مؤشر الإستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي مفاجأة.

هناك ثورة هادئة بالمملكة تنجز بصمت وثبات، ليس فقط على الصعيد الاجتماعي والدبلوماسي والثقافي، بل أيضا، وهو الأهم، على الصعيد الاقتصادي، حيث تراهن المملكة على التكنولوجيا الذكية لتعلن “الفطام عن النفط”.

وتبرز أهمية الإنجاز السعودي في ضوء الصورة التي كانت سائدة حتى وقت قريب في الأذهان حول المملكة: بلد تغطيه الكثبان الرملية، وحقول النفط، والشرطة الدينية. بلد ليس فيه للمرأة أيّ حقوق. صورة نمطية كرّستها حملات مكثفة تشنها وسائل الإعلام الغربية. مازالت تتجاهل عمدا التقدم التكنولوجي الذي تشهده البلاد.

سندرك حجم التغيير الحاصل في المملكة وأهميته إذا عرفنا أن التصنيف العالمي للذكاء الاصطناعي يقيس أكثر من 100 معيار ضمن سبعة مؤشرات هي: الإستراتيجية الحكومية، البحث والتطوير، الكفاءات، البنية التحتية، البيئة التشغيلية والتجارة، الذي نالت المملكة فيه المركز الأول في مؤشر الإستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي، والمركز 31 في إجمالي مؤشرات التصنيف الصادر عن “تورتويس أنتليجينس” الذي يقيس أكثر من 60 دولة في العالم، فيما حلت ألمانيا ثانيًا والصين ثالثًا في هذا المؤشر.

حققت المملكة العلامة كاملة (حصلت على نسبة 100 في المئة) في معايير المؤشر، ومن أبرزها وجود إستراتيجية وطنية مخصصة ومعتمدة للذكاء الاصطناعي، ووجود جهة حكومية مخصصة للذكاء الاصطناعي، ووجود تمويل وميزانية خاصة بالذكاء الاصطناعي، وتحديد ومتابعة مستهدفات وطنية خاصة بالذكاء الاصطناعي.

وإذا علمنا أن الحديث تزايد وأصبح سائدا عن الذكاء الاصطناعي إثر ظهور وباء كورونا عام 2020، ندرك أن اهتمام المملكة بالذكاء الاصطناعي بدأ منذ وقت مبكر؛ مع صدور أمر ملكي عام 2018 بإنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” لتكون المرجع الوطني في كل ما يتعلق بهما من تنظيم وتطوير وتعامل، وبما يحقق أهداف “رؤية 2030” للمملكة.

أقرت المملكة العربية السعودية حينها مبلغ 20 مليار دولار للاستثمار في هذا المجال حتى عام 2030، في إطار خطة طموحة وضعها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وتهدف إلى جعل الاقتصاد السعودي يرتكز على الاستثمار، وعدم اعتماده على النفط كدخل أساسي ووحيد، إذ وعد بإنهاء علاقة ارتهان الدولة السعودية للنفط والتي وصفها بـ”الإدمان”.

وتطمح المملكة إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي مكونا من مكونات الاقتصاد البديل من خلال الشركات الناشئة وشركات الابتكار، والنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمصدر للادخار والدخل الإضافي، من خلال تطوير الكوادر السعودية وتمكينها من المشاركة في بناء اقتصاد المستقبل.

وتعمل السعودية جاهدة على تنفيذ مشاريع وبرامج وشراكات محلية ودولية لتطوير مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، ودعم الابتكار والبحث العلمي وتحفيز المبادرات الرائدة في هذه المجالات.

منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب طرح الأمير الشاب خطة طموحة لتحديث المجتمع السعودي وتنويع الاقتصاد، أبرز نقاطها:

إدخال إصلاحات اجتماعية وثقافية شملت السماح للمرأة بالقيادة والسفر دون وليّ أمر، وتعزيز حضور المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وزيادة نسبة التمثيل النسائي في مجلس الشورى، وفتح دور السينما والمسارح وإقامة الحفلات الموسيقية وإلغاء نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إطلاق مشاريع عمرانية ضخمة، تهدف إلى جذب الاستثمارات والسياحة وخلق فرص عمل جديدة. ومن أبرزها مدينة “نيوم” على البحر الأحمر، شمال غرب المملكة، حيث تم استثمار 500 مليار دولار في بناء بنية تحتية ذكية تعتمد تقنيات متقدمة مثل المركبات ذاتية القيادة والمباني الذكية.

تنفيذ إصلاحات اقتصادية، مثل زيادة ضرائب القيمة المضافة، وإلغاء دعم الوقود، وإطلاق برامج لتشجيع ريادة الأعمال والابتكار، وبيع حصة من شركة أرامكو في أكبر طرح عام أول في التاريخ.

تبني سياسة خارجية أكثر انفتاحا تهدف المملكة من خلالها للوصول إلى حالة صفر مشاكل.

في السعودية، التي كان البعض يطلق عليها ساخرا “مملكة النفط”، يمكن للمواطن السعودي والمقيم اليوم تحميل تطبيق “أبشر”، للتفاعل بسهولة ويسر مع جميع الأنظمة الحكومية، وإنجاز جميع المعاملات التي قد يحتاج إليها.

باستخدام التطبيق الإلكتروني الرسمي الذي أطلقته وزارة الداخلية السعودية، يمكن شراء وبيع العقارات، وتجديد تراخيص المركبات، ومراقبة الشؤون المالية الخاصة، ويمكن أيضا الحصول على تأشيرة دخول إلى المملكة العربية السعودية.

في السعودية اليوم تكفي بضع نقرات للقيام بـ:

• طلب تجديد أو إصدار أو إلغاء أو نقل أو تغيير بيانات الهوية والجواز والإقامة والتأشيرة والرخصة.

• طلب خدمات السفر مثل التأشيرات الإلكترونية والتصاريح الإلكترونية والتأمين الطبي.

• طلب خدمات الأسرة مثل تسجيل المواليد والوفيات والزواج والطلاق.

• طلب خدمات المرور مثل تسجيل المركبات ونقل الملكية وتجديد التأمين.

• طلب خدمات العمالة المنزلية مثل تسجيل العقود وتجديد الإقامات.

• طلب خدمات الأعمال مثل تسجيل المنشآت وتجديد التراخيص وإصدار التصاريح.

• طلب خدمات حكومية أخرى مثل التبرع لصندوق المحافظة على حقوق المحكوم عليهم بقضايا مالية غير جنائية، أو التطوع لخدمة المجتمع، أو التواصل مع الجهات المعنية.

في عام 2017 عُيّن الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد، وفي نفس العام أطلق الأمير الشاب مدينة عابرة للحدود اختار لها اسم نيوم “المستقبل الجديد”. المشروع الذي يهدف لتحويل المملكة إلى نموذج عالمي رائد يمتد 460 كيلومترا على ساحل البحر الأحمر.

يركز مشروع نيوم على 9 قطاعات استثمارية متخصصة تشمل: مستقبل الطاقة والمياه، مستقبل التنقل، مستقبل التقنيات الحيوية، مستقبل الغذاء، مستقبل العلوم التقنية والرقمية، مستقبل التصنيع المتطور، مستقبل الإعلام والإنتاج الإعلامي، مستقبل الترفيه ومستقبل المعيشة.

نعم، هذا كله يحصل اليوم دون ضجيج في “مملكة الذكاء” التي استحقت بجدارة أن تتبوأ المركز الأول على مستوى العالم في مؤشر الإستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي.

تحولت هذه الدولة الشرق أوسطية بتوجيهات الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى واحدة من المراكز الكبيرة في العالم للعلوم والتكنولوجيا في أقل من ست سنوات. لنا أن نتخيل ماذا سيتم إنجازه خلال سبع سنوات تكتمل فيها رؤية الأمير محمد بن سلمان.

عندها سيتحدث الجميع عن “مملكة النفط” التي تحولت إلى “مملكة للذكاء الاصطناعي”.

المصدر: صحيفة العرب

اترك رد

Your email address will not be published.