AI بالعربي – متابعات
تشهد أنظمة الرعاية الصحية حول العالم ضغطًا غير مسبوق نتيجة تزايد الطلب على الخدمات الطبية مقابل محدودية الموارد البشرية والمالية، ويتزامن ذلك مع تسارع شيخوخة السكان عالميًا وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وتزايد الإنفاق الصحي بوتيرة أسرع من نمو الاقتصادات الوطنية، ومع توقع عجز قد يصل إلى عشرة ملايين عامل صحي بحلول عام 2030، بات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي خيارًا استراتيجيًا تتطلع إليه المؤسسات الصحية لتخفيف الضغط وتحسين الجودة وتقليل الهدر.
استثمارات ضخمة وواقع لا يوازي التوقعات
رغم ضخ استثمارات تجاوزت 100 مليار دولار في شركات الصحة الرقمية داخل الولايات المتحدة منذ عام 2010، فإن أغلب حلول الذكاء الاصطناعي لم تحقق انتشارًا واسعًا داخل المستشفيات، وبقيت نسبة كبيرة من المبادرات في نطاق محدود أو مرحلة تجريبية، كما تركزت غالبية الموافقات التنظيمية الصادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأميركية في تطبيقات التصوير الطبي، وهي حلول أثبتت كفاءة تقنية لكنها لم تتحول إلى أدوات يومية راسخة داخل الأنظمة الصحية.
تعقيد النظام الصحي يبطئ التوسع
يتسم القطاع الصحي بتعقيد بنيوي يختلف عن قطاعات التقنية الأخرى، إذ تتداخل أدوار جهات تنظيمية وممولين ومقدمي رعاية ومرضى وشركات خاصة، ويؤدي هذا التشابك إلى بطء اتخاذ القرار وصعوبة توحيد المعايير، لذلك حتى عندما تنجح أداة ذكية داخل مستشفى أو شبكة محددة، تتعثر عند محاولة تكرارها على نطاق أكبر بسبب اختلاف القواعد والإجراءات والاحتياجات التشغيلية.
أزمة البيانات والخصوصية تقيد التدريب والتطبيق
تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات كبيرة ومنظمة، بينما تظل البيانات الطبية مجزأة بين الأنظمة والمنصات والمؤسسات، كما تفرض التشريعات قيودًا صارمة لحماية خصوصية المرضى، وهو ما يقلل فرص مشاركة البيانات أو الاستفادة منها في التدريب واسع النطاق، وبسبب ذلك تواجه الشركات نقصًا في بيانات موحدة عالية الجودة، ما ينعكس على الاستقرار التشغيلي للنماذج ودقتها عند الانتقال من بيئات التجربة إلى الواقع السريري.
فجوة بين المنتج التقني واحتياج غرفة الكشف
تُطوَّر كثير من حلول الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن واقع المستشفى وسير العمل اليومي، فتظهر أدوات متقدمة تقنيًا لكنها لا تتوافق مع خطوات الطبيب داخل العيادة أو قسم الطوارئ، وعندما لا تضيف الأداة قيمة فورية مثل تقليل الوقت أو تسهيل القرار، يصبح استخدامها عبئًا إضافيًا بدل أن يكون دعمًا عمليًا، وهو ما يفسر تراجع الحماس لتبنيها حتى مع اعتراف المستخدمين بقدرتها النظرية.
الإرهاق المهني ونظام الحوافز يضعفان التبني
يعاني العاملون في القطاع الصحي من ضغط عمل كبير، ومع نقص الكوادر تتراجع القدرة على التدريب والتجربة، كما أن أنظمة المكافأة غالبًا ما تركز على عدد الحالات التي يتم التعامل معها وليس تحسين العمليات أو الابتكار، لذلك لا يحصل الطبيب على حافز مباشر لتغيير نمط عمله من أجل إدخال أداة جديدة، ويزداد التردد عندما ترتبط الأداة بمخاوف قانونية أو مسؤولية طبية عند حدوث خطأ.
الثقة والحوكمة تحددان مصير أي حل ذكي
لا يمكن فصل نجاح الذكاء الاصطناعي عن الثقة، إذ يتوقع الطبيب تفسيرًا واضحًا وشفافية في القرار، بينما تحتاج المؤسسة إلى ضمانات تتعلق بالمساءلة وحماية البيانات وتحديد المسؤوليات، وعندما تغيب الحوكمة أو تصبح معقدة، تتحول التقنية إلى مخاطرة إدارية، ويزداد ذلك مع حساسية القرارات الطبية التي تؤثر مباشرة في حياة البشر.
ريادة الأعمال السريرية تحرك الابتكار من الداخل
تتجه بعض الأنظمة الصحية إلى إشراك الأطباء والكوادر الطبية في تطوير الحلول منذ البداية عبر ما يُعرف بريادة الأعمال السريرية، وهو توجه يربط الابتكار بالمشكلة الواقعية داخل المستشفى، ويزيد فرص التبني لأنه يخرج المنتج النهائي متسقًا مع احتياج المستخدم، كما يبني هذا النهج الثقة تدريجيًا لأن الكادر الطبي يصبح شريكًا في الحل وليس مجرد متلقٍ له.
منصات بيانات وشراكات تعيد رسم خريطة التوسع
يتطلب التحول الحقيقي بناء منظومات ابتكار متكاملة بدلًا من مشاريع متفرقة، وتشمل هذه المنظومات منصات بيانات آمنة تسمح بالتعاون بين المستشفيات والشركات التقنية والجهات البحثية، إضافة إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص لتقاسم المخاطر وتوحيد المعايير، ويساعد هذا المسار على نقل الحلول الناجحة من بيئة محلية إلى مستوى أوسع دون إعادة بناء كل تجربة من الصفر.
القيادة الشفافة تصنع فارق التحول
تحتاج المؤسسات الصحية إلى قيادة واضحة تشرح الرؤية وتدير التغيير وتوفر بيئة تسمح بالتجربة والتعلم، كما يسهم تعزيز ثقافة الابتكار والانفتاح على الأفكار الجديدة في تقليل مقاومة التغيير داخل المستشفى، وتكمل برامج التدريب هذا التحول عندما تزود العاملين بمهارات التفكير النقدي وتطوير الحلول وتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق.
الذكاء الاصطناعي بعد موجة ChatGPT بين الضجيج والواقع
رفع الانتشار السريع لأدوات مثل ChatGPT التوقعات حول قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث قفزات فورية في كل القطاعات، كما ساهمت نماذج OpenAI والتطورات التي تقودها جوجل في توسيع دائرة الاهتمام العالمي، إلا أن القطاع الصحي يعمل بمعايير مختلفة بسبب حساسية القرار الطبي وارتفاع كلفة الخطأ، لذلك يبدو التقدم أبطأ لكنه يتجه نحو حلول أكثر أمانًا واستدامة على المدى الطويل.
مستقبل الرعاية الصحية الذكية يبدأ بإصلاح المنظومة
يتضح أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يعتمد على الخوارزميات فقط، بل على إعادة تصميم النظام نفسه بحيث يدعم مشاركة البيانات بأمان ويعيد ترتيب الحوافز ويقوي الحوكمة ويشرك الكوادر الطبية في الابتكار، وعندما تتكامل هذه العناصر يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على الانتقال من تجارب محدودة إلى أدوات مؤثرة تعيد تشكيل جودة الرعاية وتكلفتها وإمكانية الوصول إليها عالميًا.








