AI بالعربي – متابعات
تتراجع التوقعات داخل الأوساط البحثية الصينية بشأن قدرة الشركات المحلية على انتزاع الصدارة من عمالقة الذكاء الاصطناعي الأميركيين خلال السنوات المقبلة، في ظل اعتراف متزايد بوجود فجوة بنيوية عميقة في البنية التحتية الحاسوبية والموارد البحثية.
ويرى خبراء أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد محكومًا بسرعة تطوير النماذج فقط، بل بعمق الاستثمار طويل الأمد في الحوسبة المتقدمة والبحث الأساسي، وهي عناصر ما تزال الولايات المتحدة تتقدم فيها بخطوات واضحة.
تقدير متحفظ من داخل فريق Qwen
قال لين جون يانغ، المسؤول التقني في فريق Qwen التابع لمجموعة علي بابا، إن احتمال تفوق أي شركة صينية على OpenAI أو جوجل ديب مايند خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة لا يتجاوز 20%، واصفًا هذا الرقم بأنه تقدير متفائل قياسًا بحجم التحديات القائمة.
وأوضح أن القدرات الحاسوبية الأميركية تفوق نظيرتها الصينية بما يتراوح بين مرة ومرة ونصف من حيث الحجم الفعلي، مشيرًا إلى أن هذا الفارق لا يقتصر على العدد، بل يمتد إلى نوعية البنية التحتية وسرعة تحديثها وقدرتها على دعم أبحاث الجيل التالي من النماذج.
وأضاف أن شركات أميركية كبرى تضخ موارد حاسوبية هائلة في أبحاث مستقبلية طويلة الأمد، بينما تستهلك المتطلبات التشغيلية اليومية معظم الطاقة الحاسوبية داخل الصين، ما يحد من القدرة على التجريب الجذري.
ولفت إلى أن الفرق الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك وحدات معالجة أكثر، بل في القدرة على تخصيصها لمشاريع عالية المخاطرة قد لا تؤتي ثمارها سريعًا.
فجوة نماذج اللغة تتسع بمرور الوقت
من جانبه، أكد تانغ جيه، الشريك المؤسس وكبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة Zhipu AI، أن الولايات المتحدة تتقدم بوضوح في مجال نماذج اللغة الكبيرة، معتبرًا أن الفجوة الحالية مرشحة للاتساع لا للتقلص.
وأشار إلى أن واشنطن تمتلك عددًا من النماذج المتقدمة التي لم تُطرح للعامة، ما يمنحها أفضلية استراتيجية يصعب قياسها من الخارج، سواء من حيث القدرات الفعلية أو إمكانات التوظيف التجاري والعسكري مستقبلًا.
وأوضح أن هذه النماذج المغلقة تتيح للشركات الأميركية اختبار أفكار جديدة بسرية كاملة، قبل طرحها في السوق أو دمجها في منتجات واسعة الانتشار مثل ChatGPT. واعتبر أن هذا العامل يخلق عدم توازن في سباق الذكاء الاصطناعي، لأن المنافسين لا يملكون رؤية واضحة لحجم التقدم الحقيقي الذي تحقق خلف الكواليس.
رؤية أكثر تفاؤلًا من داخل تنسينت
في المقابل، قدّم ياو شونيو، كبير علماء الذكاء الاصطناعي الجديد في تنسينت وباحث سابق في OpenAI، رؤية أقل تشاؤمًا، معتبرًا أن الشركة الرائدة عالميًا في الذكاء الاصطناعي خلال ثلاث إلى خمس سنوات قد تكون صينية.
واستند في هذا الطرح إلى قدرة الصين على التوسع السريع في قطاعات معقدة، مثل السيارات الكهربائية والتصنيع المتقدم، حيث نجحت في تحويل فجوات تقنية إلى فرص تنافسية خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا.
غير أنه أقر بوجود تحديات هيكلية عميقة، على رأسها غياب آلات الطباعة الضوئية فائقة الدقة EUV محليًا، إلى جانب بطء تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات التقليدية، وضعف الموارد المخصصة للأبحاث الأساسية طويلة الأمد.
وأوضح أن الصين بارعة في تحسين ما هو متاح واستخلاص أقصى أداء من عدد محدود من وحدات المعالجة، لكنها تفتقر إلى مستوى المخاطرة المطلوب لابتكار نموذج جديد كليًا يغير قواعد اللعبة.
جيل شاب يراهن على الاختراقات الكبرى
ورغم الصورة الحذرة، عبّر تانغ جيه عن تفاؤل مشروط بقدرة الصين على تحقيق اختراقات مستقبلية، مدفوعًا بصعود جيل جديد من الباحثين من مواليد التسعينيات والألفية الجديدة.
وأشار إلى أن هذا الجيل يتميز بجرأة أكبر واستعداد أعلى لتحدي النماذج السائدة، مقارنة بالأجيال السابقة التي ركزت على تحسين الموجود بدل إعادة بنائه من الأساس.
وشدد على أن نجاح هذا التحول يتطلب تعاونًا أوثق بين الحكومة والقطاع الخاص، مع ضرورة توفير بيئة ابتكار أكثر مرونة تسمح بالفشل والتجريب.
كما دعا إلى منح الباحثين الشباب وقتًا أطول ومساحة أوسع للتركيز على الاكتشافات الجوهرية، إلى جانب تنظيم أوضح للعلاقة التنافسية بين عمالقة التكنولوجيا والشركات الناشئة، بما يمنع استنزاف المواهب قبل نضوج أفكارها.
قيود تقنية ورهانات جيوسياسية متشابكة
في سياق متصل، وافقت واشنطن أواخر العام الماضي على بيع شرائح Nvidia H200 المتقدمة إلى الصين، بعد تخفيف بعض القيود السابقة المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة.
إلا أن تقارير لاحقة أفادت بأن بكين طلبت من بعض الشركات الصينية تعليق طلباتها، في إطار مساعٍ رسمية لتقليل الاعتماد على الشرائح الأميركية وتسريع تطوير بدائل محلية.
وتعكس هذه التطورات تداخل العوامل التقنية مع الحسابات الجيوسياسية في سباق الذكاء الاصطناعي، حيث لا يقتصر التنافس على الأسواق والمنتجات، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد والسيادة التكنولوجية.
وفي المحصلة، يظهر المشهد الصيني منقسمًا بين واقعية قصيرة المدى وطموحات استراتيجية بعيدة المدى، في سباق عالمي لا تحسمه السرعة وحدها، بل عمق الاستثمار والقدرة على المخاطرة والابتكار الجذري.








