AI بالعربي – متابعات
لم يكن الخطاب الديني يومًا مجرد نصوص تُتلى أو أحكام تُستخرج، بل كان مجالًا حيًا للتأويل، والجدل، والاختلاف، والتفاعل مع الزمن. عبر القرون، ظل هذا الخطاب يتشكّل في المساجد، والكنائس، والمدارس، والبيوت، وعلى ألسنة العلماء والوعّاظ، متأثرًا بالسياق الاجتماعي والسياسي والثقافي. لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء المعرفة، بات هذا الخطاب نفسه موضوعًا للرصد، والتحليل، والتصنيف، بل وأحيانًا لإعادة الإنتاج. وهنا تظهر لحظة فارقة: ماذا يعني أن يُراقَب الخطاب الديني بعين خوارزمية لا تؤمن، ولا تشك، ولا تخاف، ولا ترجو؟
لم تعد المنصات الرقمية مجرّد وسيط لنقل الخطاب الديني، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في تشكيله. الخوارزميات تقرّر أيّ محتوى يُنتشر، وأيّ تفسير يُدفَع إلى الواجهة، وأيّ نبرة تُكافَأ، وأيّ خطاب يُهمَّش أو يُحاصَر. ومع الوقت، لم يعد السؤال مقتصرًا على “ماذا يقول الخطاب الديني؟”، بل امتد إلى: “كيف تراه الخوارزمية؟ وكيف تعيد صياغته؟”.

الذكاء الاصطناعي لا يتعامل مع الخطاب الديني بوصفه إيمانًا أو تجربة روحية، بل بوصفه بيانات لغوية. كلمات، عبارات، تكرارات، نبرات، أنماط خطاب. تُحلَّل النصوص الدينية كما تُحلَّل أي مادة أخرى: لرصد التفاعل، أو قياس التأثير، أو تصنيف المحتوى ضمن فئات محددة. وفي هذه العملية، يحدث اختزال صامت. المعنى العميق، والبعد الغيبي، والتجربة الشخصية للإيمان، كلها عناصر لا تدخل بسهولة في المعادلة.
من التفسير إلى التصنيف
في الماضي، كان الخلاف الديني خلافًا تأويليًا. مدارس فقهية، واتجاهات عقدية، ونقاشات طويلة حول المعنى والمقصد. أما اليوم، فهناك انتقال غير معلن من التأويل إلى التصنيف. الخوارزمية لا تناقش الرأي، بل تضعه في خانة. لا تسأل عن السياق، بل عن الكلمات المفتاحية. لا تميّز بين خطاب نابع من اجتهاد علمي وخطاب شعبوي، بقدر ما تميّز بين ما يُثير التفاعل وما لا يُثيره.
هذا التحوّل يُنتج أثرًا مزدوجًا. فمن جهة، يسهّل الوصول إلى المحتوى الديني، ويجعله متاحًا لجمهور واسع. ومن جهة أخرى، يضغط الخطاب نفسه ليتكيّف مع منطق المنصة. الواعظ أو الداعية أو المتحدّث الديني يصبح واعيًا — أحيانًا دون قصد — بأن الخوارزمية تراقب. فيبدأ بتعديل لغته، ونبرته، وحتى اختياراته الموضوعية، بما يتناسب مع ما يُكافَأ رقميًا.
حين يصبح “القبول الخوارزمي” معيارًا
في هذا السياق، قد يتحوّل معيار القبول من الشرعية العلمية أو العمق الفكري إلى القابلية للانتشار. الخطاب الذي يُبسَّط أكثر من اللازم، أو يُشحَن عاطفيًا، أو يُقدَّم في صورة صادمة، قد يحظى بحضور أكبر. أما الخطاب المتأنّي، المركّب، الذي يحتاج وقتًا للتلقي، فقد يتراجع حضوره لأنه لا يناسب إيقاع المنصة.
يقول أحد الباحثين في دراسات الدين الرقمي: “الخطر ليس في رقمنة الخطاب الديني، بل في خضوعه لمنطق لا يعترف إلا بما يُقاس.” وهنا يصبح السؤال: هل يمكن للخطاب الديني أن يحافظ على عمقه في بيئة تُكافئ السرعة والاختصار؟

الرقابة غير المعلنة
الذكاء الاصطناعي لا يمارس رقابة صريحة في كثير من الأحيان، لكنه يفرض ما يمكن تسميته بالرقابة الناعمة. محتوى يُخفَّض انتشاره، أو يُعاد توجيهه، أو يُوسَم بوسوم معينة، دون أن يكون هناك قرار بشري واضح. هذه الرقابة لا تُناقَش علنًا، ولا تُبرَّر لاهوتيًا أو أخلاقيًا، لكنها تؤثر فعليًا في شكل الخطاب الديني المتداول.
في هذا المناخ، قد يشعر بعض المتحدثين الدينيين بأنهم تحت “عين غير مرئية”. عين لا تحاكم النية، ولا تفهم المقاصد، لكنها ترصد العبارات، وتُقيّم المخاطر، وتقرّر ما إذا كان الخطاب “آمنًا” أو “إشكاليًا”. وهكذا، يتحوّل جزء من الخطاب الديني من مخاطبة الضمير إلى مراعاة النظام.
هل يفقد الخطاب الديني روحه؟
الخطر الأكبر لا يكمن في التحليل التقني ذاته، بل في النتائج الثقافية بعيدة المدى. حين يُعاد تشكيل الخطاب الديني وفق منطق الخوارزمية، قد يفقد شيئًا من جرأته، ومن قدرته على طرح الأسئلة الصعبة، ومن استعداده لمواجهة الواقع بدل تلطيفه. الدين، في جوهره، خطاب يتجاوز المألوف، ويخاطب ما وراء اللحظة. أما الخوارزمية، فهي أسيرة اللحظة، وأسيرة ما يُظهره السلوك السابق.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يهدد الدين بذاته. التهديد الحقيقي هو في أن يتحوّل الخطاب الديني إلى محتوى مُحسَّن، لا رسالة. إلى صيغة جذابة، لا موقفًا أخلاقيًا. إلى مادة تُستهلك، لا تجربة تُعاش.

فرص جديدة أم قيود جديدة؟
في المقابل، لا يخلو المشهد من فرص. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في حفظ التراث، وفهرسة النصوص، وتسهيل البحث، وربط المصادر، وكشف التلاعب أو الاقتطاع المخلّ. يمكن أن يكون أداة في خدمة الفهم، لا بديلًا عنه. لكن ذلك يتطلب وعيًا حادًا بحدوده، وعدم منحه سلطة تقريرية على المعنى.
الخطاب الديني، بطبيعته، أوسع من أن يُختزل في نموذج. هو علاقة بين الإنسان والمطلق، بين النص والواقع، بين الثابت والمتغير. وكلما نُظر إليه بعين تقنية فقط، ازداد خطر تسطيحه.
هل الذكاء الاصطناعي يراقب الخطاب الديني؟
نعم، يراقبه بوصفه بيانات لغوية وسلوكية، لا بوصفه تجربة إيمانية.
هل يؤثر ذلك على مضمون الخطاب؟
غالبًا نعم، لأن منطق المنصات يضغط نحو التبسيط والاختصار وزيادة التفاعل.
هل يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة الخطاب الديني؟
يمكن، إذا استُخدم كأداة مساعدة في البحث والحفظ، لا كحَكَم على المعنى.
ما الخطر الأكبر في هذا التحوّل؟
أن يتحوّل الخطاب الديني إلى محتوى مُرضٍ للخوارزمية أكثر من كونه خطابًا موجّهًا للضمير.
كيف يمكن الحفاظ على توازن صحي؟
بالوعي بأن التقنية وسيط لا مرجع، وبأن المعنى الديني لا يُقاس بعدد المشاهدات.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي قد يرى الخطاب الديني، وقد يحلّله، وقد يعيد ترتيبه، لكنه لن يعيش ما يعد به هذا الخطاب. سيظل الإيمان — بكل تعقيداته وأسئلته وتناقضاته — تجربة إنسانية لا تقع بالكامل تحت عين الخوارزمية، مهما بدت هذه العين واسعة ودقيقة.
اقرأ أيضًا: الشركات العالمية تضخ استثمارات قياسية في الذكاء الاصطناعي رغم ضعف العوائد








