الجيش الأميركي والتوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي

24

جريت دي فينك

نشأ “ألكسندر وانغ” في ظل “مختبر لوس ألاموس الوطني”، الذي شهد ميلاد القنبلة النووية. والآن، يعتزم الرئيسُ التنفيذي لشركة “سكيل إيه آي” للذكاء الاصطناعي، البالغ من العمر 26 عاماً، لعب دور رئيس في العصر المقبل من الصراع الجيوسياسي.  “سْكيل”، التي أسهم “وانغ”في تأسيسها في 2016 بهدف مساعدة الشركات الأخرى على تنظيم البيانات وتسميتها لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تعرّف نفسها باعتبارها الشركة التي ستساعد الجيش الأميركي عارضةً مساعدة البنتاغون على استخلاص معلومات أفضل من كم المعلومات الهائل الذي تولده كل يوم، وصنع مركبات مستقلة ذات قدرات أفضل، بل وحتى إنشاء برامج دردشة آلية تستطيع المساعدة على إسداء النصائح للقادة العسكريين أثناء القتال.

وقد حصلت الشركة على عقد بقيمة 249 مليون دولار العام الماضي من أجل توفير مجموعة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الأميركية. وتشمل قائمة عملائها أيضاً الجيش، والقوات الجوية، وجامعة مشاة البحرية، وشركة تصنيع الشاحنات العسكرية “أوشكوش”. وفي مايو الماضي، أصبحت “سكيل” أولَ شركة ذكاء اصطناعي تمتلك “موذجاً لغوياً كبيراً” — وهي التكنولوجيا التي تقوم عليها برامج الدردشة الآلية مثل “ChatGPT” — يتم استخدامه على شبكة سرية بعد أن وقّعت صفقة مع الفيلق الثامن عشر المحمول جواً التابع للجيش الأميركي. ويهدف برنامج الدردشة الآلي التابع لـ”سْكيل”، والمعروف باسم “دونوفان”، إلى تلخيص المعلومات الاستخبارية ومساعدة القادة على اتخاذ القرارات بشكل سريع.

وبالنسبة إلى وانغ، فإن الرهانات كبيرة: “بدون ذكاء اصطناعي تطوّره شركاتُ التكنولوجيا الخاصة، فإن الولايات المتحدة لن تتمكن من الحفاظ على تفوقها التكنولوجي. فالبيانات هي ذخيرة حرب الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف”، مكرراً عبارة استخدمها في المؤتمرات وخلال جلسة استماع في الكونجرس في يوليو الماضي. والولايات المتحدة متأخرة في تخزين تلك الذخيرة، وفقاً لوانغ.  ومعلوم أن الجيش الأميركي جعل من الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من استراتيجيته للعقود القادمة، إذ وضع خططاً لنشر سفن وطائرات مستقلة لدعم آلات يقودها الإنسان، واستخدام خوارزميات لتحسين الخدمات اللوجستية عبر التنبؤ بالتاريخ الذي ينبغي فيه استبدال أجزاء معينة، وفحص مقاطع الفيديو المصورة بواسطة الطائرات المسيّرة باستخدام تكنولوجيا التعرف على الصور من أجل تخفيف الضغط على المحللين البشر ومساعدتهم.

وقد استفادت “سكيل” من التقدم الذي حقّقته ضمن طفرة الذكاء الاصطناعي الحديثة، التي ظهرت العام الماضي حينما أصدرت شركة ” OpenAI” برنامج “ChatGPT” للجمهور. إذ جمعت شركة “سكيل” مئات الملايين من الدولارات وقدّر المستثمرون قيمتها بأكثر من 7 مليارات دولار في 2021، مما جعل من وانغ أصغر ملياردير عصامي في العالم في ذلك الوقت، وفقاً لمجلة”فوربس”.  غير أن أنصار الحد من التسلح يحتجون على استخدام الجيوش للذكاء الاصطناعي خشية أن يؤدي ذلك إلى إبعاد البشر تدريجياً عن القرارات الأساسية، بما في ذلك من أو ما يجب استهدافه في ساحة المعركة. وتتمتع بعض الأسلحة بقدرات مستقلة منذ سنوات، كما باتت الطائرات بدون طيار التي تستطيع التعرف على الأهداف تلقائياً وقصفها بدون إذن نهائي من البشر جزءاً من ترسانات عدد من الجيوش في العالم. ويقول الجيش الأميركي إن الإنسان سيكون دائماً “على علم واطلاع”، ولكن بعض الدراسات أظهرت أن الناس من المرجح أن يتّبعوا نصيحة الآلات التي تبدو موثوقة بدلاً من الثقة في تقديرهم الشخصي.

في البداية، لم يكن “وانغ” يخطّط ليصبح مقاولاً عسكرياً. وقد أسّس “سْكيل” بعد انقطاعه عن الدراسة في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” في سن التاسعة عشرة رفقة “لوسي جو”، التي كانت متدربة في موقع الأسئلة والأجوبة “كورا”. وقتئذ، كانت الإنجازات في أبحاث الذكاء الاصطناعي تؤدي إلى خوارزميات قادرة على اكتشاف الصور وترجمة اللغة. ولكن الكميات الضخمة من الصور ومقاطع الفيديو التي كانت مختبرات الذكاء الاصطناعي تسحبها من الويب لتدريب بياناتها كانت في حاجة إلى التصنيف والتسمية من أجل المساعدة على تعليم الخوارزميات الأشياء التي أمامها. فأنشأ «وانغ وغو» شركة “سْكيل” للمساعدة على حل هذه المشكلة، مستعينين بمقاولين من حول العالم لإضافة تسميات إلى الصور، ثم فرض رسوم على هذه الخدمة.

وحققت “سكيل” تقدماً في توفير أدوات خاصة بها. ف”دونوفان”، وهو منافس “ChatGPT” الذي يركز على المجال العسكري، يخضع للاختبار منذ مدة من قبل الوحدات العسكرية ومن قبل الطلبة في جامعة مشاة البحرية. وتسوّق «سكيل» لهذا البرنامج باعتباره “منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرارات” يمكنها تحليل البيانات الاستخباراتية من مصادر مختلفة وتقديم توصيات للمسؤولين البشر. ويُظهر العرض التوضيحي لـ”دونوفان” برنامجَ الدردشة الآلية وهو يحدّد سفينة مشتبهاً فيها، ثم يقوم بتقديم خيارات للضابط المسؤول من أجل الحصول على مزيد من المعلومات، مثل إرسال طائرة للقيام بالتحليق فوق المنطقة أو استخراج صور حديثة للأقمار الصناعية. وبمجرد توفر الصور، تحدّد خوارزميات التعرف على الصور كمياتٍ كبيرةً من الإشعاع، مما يدفع الضابط إلى تمرير المعلومات إلى أعلى سلسلة القيادة وإرسال طائرة بدون طيار للتحقق من أمر السفينة.

غير أن البيع للجيش صعب، حتى بدون منافسة شديدة، كما يقول ناثان بينعيش، مؤسس “إير ستريت كابيتل”، وهي شركة استثمارات استثمرت في مجموعة من شركات التكنولوجيا العسكرية. ويقول بينعيش: “إن وزارة الدفاع عميلٌ لا يشبه باقي العملاء، إذ يتطلب خبرة مؤسسية عميقة لتحقيق النجاح”.  وأوضح وانغ أنه ما زالت لدى “سْكيل» مجموعة واسعة من العملاء وإنها لا تحتاج إلى أموال الجيش من أجل تحقيق النجاح، مضيفاً أن العمل مع البنتاغون ينبع من رغبة الشركة في مساعدة الولايات المتحدة على الحفاظ على قوتها في العالم حتى في الوقت الذي يلقي فيه القرن الحادي والعشرون بمزيد من الصراعات والتعقيدات على النظام العالمي.  وقال: في هذا التحول التكنولوجي الحاد والمباغت جداً، إذا تمكنت”سكيل” من أن تكون الشركة التي تساعد على ضمان حفاظ الولايات المتحدة على هذا المركز القيادي، فإن ذلك سيكون تأثيراً حقيقياً وملموساً جداً.

المصدر: الاتحاد

 

اترك رد

Your email address will not be published.