دور الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة عمليات استخراج النفط وتقليل التكاليف

17

AI بالعربي – متابعات

من غرفة تحكم مظلمة في هيوستن، راقب رافائيل غويديس عبر شاشة كمبيوتر، روبوتا يتولى مسؤولية حفر في حقل نفط في داكوتا الشمالية، ما أدى إلى استبعاد العامل البشري. أضاءت مربعات حمراء متوهجة الشاشة عندما تولى برنامج ذكاء اصطناعي قيادة منصة الحفر البعيدة “نابورز إندستريز”، مرسلا تعليمات عبر الأقمار الصناعية واتخذ قرارات سريعة لحظية للحفر عبر الصخور بأسهل طريقة ممكنة.

ووفقا لـ “بلومبرغ” يقدر غويديس، مدير أدوات الأداء بالشركة، أن البرنامج المقدم من شركة “كورفا” سيوفر على المشغل البشري 5000 أمر أثناء حفر البئر ويزيد السرعة بنسبة لا تقل عن 30 %. قال غويديس إن “كل هذا آلي، فأداة الحفر لا تحتاج إلى الضغط على أي شيء”، مشيرا إلى خط أخضر على الشاشة يتتبع مسار الحفارة تحت الأرض. وتابع: “الآن يمكنك توفير قدراتك الذهنية لاستخدامها في شيء آخر”.

لطالما استخدمت صناعة النفط الذكاء الاصطناعي في المهام المساندة، مثل تحليل المسوحات الزلزالية، على أن يواصل البشر إجراء عمليات الحفر والتكسير الهيدروليكي. لكن الشركات تستخدم بشكل متزايد الآن الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والعمليات عن بعد للحفر بشكل أسرع، واقتراح طرق أفضل للتكسير الهيدروليكي والتنبؤ بموعد فشل مضخات الآبار النشطة.

والهدف من هذه التكنولوجيا الناشئة هو خفض التكاليف والمساعدة في استخراج مزيد من النفط من باطن الأرض، ما قد يهدد بتقويض جهود منظمة الدول المصدرة للنفط لكبح إنتاج النفط العالمي ورفع الأسعار. قال سوبود ساكسينا، نائب الرئيس الأول في “نابورز”: “بلغ معدل الاستخلاص من النفط الصخري 8 %. وإذا كان من الممكن تحسين ذلك، فإن المردود سيكون هائلا”.

تحسين الكفاءة لخفض التكاليف

يكتسب الذكاء الاصطناعي المتقدم موطئ قدم في حقول النفط، حيث يركز القائمون على الحفر والمنتجون بلا كلل على تحسين الكفاءة. ورغم أن هذه التكنولوجيا تعد قيد التجربة حول العالم، فإن الولايات المتحدة قد تكون المكان الأهم الذي يجب متابعته. فلطالما كانت أحواض النفط الصخري في تكساس وداكوتا الشمالية والولايات الأخرى بمنزلة مختبرات لاكتشاف طرق أسرع وأرخص لضخ النفط، ما جعل الولايات المتحدة أكبر منتج في العالم.

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، استطاع المقاولون تقليص يوم واحد من الأسبوعين اللازمين لحفر بئر، وثلاثة أيام من المتوسط البالغ 11 يوما اللازم للتكسير الهيدروليكي، وفقا لمزود بيانات الصناعة “كيمبرلايت إنترناشونال أويلفيلد ريسيرش”. وحدث هذا من خلال مزيج واسع من التقنيات والأساليب الجديدة، مثل حفر آبار أفقية يصل طولها إلى 3 أميال. والآن ظهر الذكاء الاصطناعي الذي يعد بتحقيق مكاسب أكبر.

من المفترض أن يؤدي تحسين الكفاءة إلى خفض التكاليف. ويتوقع جيمس ويست، المحلل لدى “إيفركور”، أن تبدأ الشركات في الترويج لتوفير التكاليف بالذكاء الاصطناعي في الأرباع المالية القليلة المقبلة، موضحا أنه “سيكون هناك وفورات كبيرة في التكاليف، بما لا يقل عن 10 %، وربما تراوح بين 25 و50 % في سيناريوهات محددة”.

التأثير في الوظائف

لا يزال من السابق لأوانه معرفة التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي في الوظائف خاصة أنه ما زال في مرحلة الانتشار. لكن هذه التكنولوجيا قد تساعد الشركات في التغلب على نقص العمالة الذي شهدته في الأعوام الأخيرة. فقد أظهر استطلاع أجرته “إيرسويفت هولدينغز”، وهي شركة توظيف في حقول النفط، إلى انفتاح موظفي قطاع الطاقة حول العالم على الذكاء الاصطناعي، حيث قال معظمهم إنه قد يعزز رضاهم عن العمل والإنتاجية. ولا يقتصر اختبار هذه التكنولوجيا على التكوينات الصخرية، بل إنها تختبر في حقول النفط البحرية. فقد أعلنت شركة “إس إل بي”، أكبر مزود لخدمات النفط بالعالم، في يناير أنها حفرت بشكل آلي أجزاء من 5 آبار قبالة سواحل البرازيل، ما أدى إلى تسريع وقت الحفر بنسبة 60 %.

تلبية أهداف المناخ

قال جيسوس لاماس، رئيس وحدة حفر الآبار لدى “إس إل بي”، إن الذكاء الاصطناعي سيتحكم في 15 % من جميع الآبار خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة، فهو قد يكون أساسيا لخفض تكاليف الحفر وأيضا لمساعدة الصناعة على تلبية أهداف التغير المناخي. ورغم أن مؤيدي الطاقة المتجددة يقولون إن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في دمج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في شبكة الكهرباء، ما يسرع الاستغناء عن الوقود الأحفوري، ترى شركات النفط والغاز أنه وسيلة لتقليل آثار الاحتباس الحراري لعملياتها في عالم يقيد انبعاثات الكربون. علما بأن الحفر الأكثر كفاءة يعني استهلاكا أقل للطاقة لكل بئر. قال لاماس “نحتاج إلى فعل شيء مختلف.. نحتاج إلى خفض تكلفة البرميل، وزيادة الكفاءة وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل برميل”.

القدرة على التنبؤ بالأعطال

في الوقت نفسه، يساعد الذكاء الاصطناعي في استمرارية التدفقات الحالية من الآبار. فقد أطلقت شركتا “هاليبرتون” و “إيه آي كيو” مؤخرا مشروع ذكاء اصطناعي يعرف بـ”روبوويل” لمساعدة شركة “بترول أبوظبي الوطنية” في الحفاظ على استمرارية تدفقات آبار الغاز من خلال تعديلات ذاتية آلية.

ترى شركة “هيلكورب إنرجي”، إحدى أكبر شركات النفط والغاز الخاصة في الولايات المتحدة، أنها تستطيع استخدام التعلم الآلي للتنبؤ بأعطال المعدات وبالتالي تجنب خسارة نحو نصف مليار قدم مكعب من إنتاج الغاز، وفقا لما ذكرته ليزا هيلبر، عالمة الجيولوجيا لدى الشركة الواقعة في هيوستن. وعدا ذلك، فإن الأمر قد يستغرق نحو أسبوع ليتمكن عامل يقود شاحنة من فحص جميع الآبار، بحثا عن تلك التي توقفت عن الضخ.

قالت هيلبر في مؤتمر صناعي في هيوستن الشهر الماضي: “نريد دائما أن نكون مشغلا ذا كفاءة.. استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في الموقع، وفي المكتب، ثم في النهاية من خلال تحليل الطبقات الجوفية، مكننا من الحفاظ على قوة عاملة مثالية ومحكمة للغاية”. أفاد جيمس برادي، كبير المسؤولين الرقميين بشركة “بيكر هيوز”، أن هذه التكنولوجيا التنبؤية ركبت على قلة فقط من الآبار في حوض بيرميان، لكنها ستتوسع في النهاية وسيكون لها تأثير أكبر.

يعمل ثالث أكبر مزود لخدمات حقول النفط على بناء نماذج ذكاء اصطناعي لتوقع فشل المضخات الغاطسة الكهربائية، التي تستخدم للحفاظ على تدفقات الآبار القديمة. ولعميل محدد في حوض بيرميان، تستطيع شركة “بيكر هيوز” التنبؤ بفشل المعدات خلال 30 يوما في 65 % من آبار العميل. وتهدف الشركة إلى الوصول إلى 70 %، وتقديم توصيات مكتملة أكثر لصيانة المضخات.

وقال برادي، وهو خبير مخضرم لأكثر من ثلاثة عقود في صناعة النفط: “على مدى الأعوام القليلة الماضية، أصبحنا أفضل وأفضل في هذا الأمر.. فعندما تتوصل فعليا إلى نموذج أكثر دمجا باستخدام الفيزياء إضافة إلى علم البيانات، فإنك تبدأ في الحصول على احتماليات تنبؤ أعلى”.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي

يظل الإشراف على الآبار، بدلا من حفرها عن بعد، هو الاستخدام الأكثر شيوعا للذكاء الاصطناعي في حقول النفط حتى الآن، وفق “كيمبرلايت”. لكن هناك تطبيقات أخرى آخذة في الظهور. تستخدم شركة “شير فراك” الناشئة الذكاء الاصطناعي لتكسير الآبار بشكل أكثر كفاءة. تقدم تكنولوجيا الشركة اقتراحات لطواقم التكسير الهيدروليكي في الموقع الذين يختارون بعد ذلك ما إذا كانوا سينفذونها أم لا. إذ يتم إرسال الاقتراحات إلى شاشات الكمبيوتر الخاصة بالطاقم بواسطة روبوت يدعى “شيري” – على غرار “سيري” التي طورتها “أبل” – ويتم الإعلان عنها عبر إشارة صوتية ناعمة على نغمة “بينغ”.

وقال أندرو ماكموري، رئيس “شير فراك” التنفيذي، إن الشركة تخطط في نهاية المطاف لتقديم عمليات التكسير الهيدروليكي بطريقة آلية أكثر. وقال ويليام فوكس، المدير العام للحفر في شركة “هيوستن”، إن شركة “كورفا”، التي تصمم كل أحواض النفط الصخري في أمريكا لبرنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بها، تخطط للانتقال إلى أمريكا الجنوبية خلال العامين المقبلين. وأضاف أنه مندهش من مدى قدرة صناعة النفط الأمريكية على تحسين قدراتها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقال فوكس: “النفط الصخري هو مختبر صناعة التنقيب.. ما تم إثباته واعتماده في هذه السوق شديدة التنافسية والمتحمسة بشكل لا يصدق، إذا نجح في النفط الصخري في أمريكا الشمالية، فسوف يعمل بشكل أفضل في أماكن أخرى”.

 

اترك رد

Your email address will not be published.