محاكمة الذكاء الاصطناعي

16
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ

في قاعة مجلس الإدارة المحاطة بالإضاءة الخافتة في شركة الذكاء الاصطناعي المفتوح، يمكن لك أن تشعر بالتوتر الذي يربط ألسنة الجالسين سوى بعض العبارات المقتضبة. يجلس المديرون التنفيذيون من شركة الذكاء الاصطناعي المفتوح وصحيفة التايمز قبالة بعضهم البعض، بين الأوراق المتناثرة وأكواب القهوة الفارغة، دلالة على ساعات التفاوض الطويلة.

في خضم النقاش الساخن، تبخرت الروح المفعمة بالتفاؤل أول الأمر لما بدا للطرفين من شراكة محتملة. في نهاية الساعات الممتدة من المفاوضات ملأت غرفة الاجتماعات همسات خافتة، ونظرات متبادلة تعبر عن القلق الذي يشعر به رئيس مفاوضي صحيفة التايمز، ثم سمعت أصوات الكراسي التي تكشط الأرض بحدة، انتهى الاجتماع دون تقدم يذكر وغادر فريق التايمز دون موعد جديد.

كانت صحيفة التايمز قد رصدت ما يدل على استخدام مقالاتها في تدريب نماذج برنامج الدردشة (جي بي تي) حيث طرحت على شركة الذكاء الاصطناعي المفتوح وشريكتها مايكروسوفت حلولاً لمعالجة ما تراه مخالفة للحقوق الملكية، بدأت المفاوضات منذ فترة، ولم تكن وحدها صحيفة التايمز التي تفاوض، إنما دور نشر شهيرة دخلت في مفاوضات موازية أيضاً، وما زالت لم تصل لنتيجة نهائية.

بعد فترة وجيزة، اتضحت الآثار القانونية، رفعت صحيفة التايمز الأربعاء الماضي دعوى قضائية، مدعية أن شركة الذكاء الاصطناعي المفتوح استفادت من ملايين المقالات ذات الحقوق المحفوظة لتدريب نموذجها اللغوي دون إذن مسبق منافسة بها الصحف التي منها صحيفة التايمز نفسها، لم تحدد الدعوى مطالبات مادية إنما لوحت بأن على شركة الذكاء الاصطناعي: “أن تتحمل مسؤولية المليارات من الأضرار القانونية والفعلية” تلك المتعلقة “بالاستنساخ غير القانوني لأعمال التايمز القيمة”.

تعتبر التايمز الصحيفة الأولى في التحرك القانوني، فقد تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن تحرك شركات المحتوى من صحف ودور نشر نحو التصدي لانتهاكات حقوق الملكية الفكرية التي رصدتها مبكراً. في وقت تعاني الصحف من تحديات كبيرة في إيجاد نموذج عمل ناجح، تتلقى شركات الذكاء الاصطناعي تمويلات بمئات الملايين مستفيدة من المحتوى الذي تقدمه الصحف.

تعكس هذه المفارقة الصارخة بين قطاعين لا يبدو أنهما متصلين ببعضهما طبيعة العلاقات الجديدة التي تشكلها ثورات التقنية الجديدة، العلاقات الجديدة تأتي على حساب علاقات سابقة بليت وحان استبدالها، لكن الصحف بالذات اليوم تواجه تحدياً بعد آخر. فلم تفرغ بعد من تحدي مجتمعات التواصل الاجتماعي التي وسعت دائرة صناعة المحتوى وسبل إيصاله، حتى ظهر الذكاء الاصطناعي الذي يمتلك القدرة على إعادة هندسة صناعة المحتوى نفسها.

هل تبحث التايمز عن انفتاح في المفاوضات بالورقة القانونية؟ الانتهاك الذي يهدد شركات الذكاء الاصطناعي لا يهدد التقنية نفسها، فلربما وجد قطاع صناعة المحتوى انفتاحاً في المفاوضات التي تأخذ أشكالاً متعددة عن نموذج عمل جديد لصحافة المستقبل.

المصدر: الرياض

اترك رد

Your email address will not be published.