AI بالعربي – متابعات
لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي مجرد موجة صعود عابرة في أسواق المال. فقد تحولت إلى قوة كبرى تعيد تسعير شركات التكنولوجيا وفق موقعها داخل منظومة المستقبل.
وتنظر الأسواق اليوم إلى الشركات من زاوية جديدة. فالقيمة لم تعد ترتبط فقط بالإيرادات الحالية، بل بمن يملك النماذج، ومن يسيطر على الرقائق، ومن يوفر السحابة ومراكز البيانات.
وفي هذا المشهد، برزت شركات كبرى مثل “إنفيديا” و”مايكروسوفت” و”ألفابيت” و”أمازون” و”TSMC”. لكنها استفادت بدرجات مختلفة من سباق الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يعيد تسعير عمالقة التكنولوجيا
بدأت إعادة تسعير قطاع التكنولوجيا مع صعود الطلب على نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها. وتحوّل المستثمرون نحو الشركات التي تمتلك موقعًا مباشرًا داخل سلسلة القيمة.
وتشمل هذه السلسلة الرقائق المتقدمة، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، والنماذج الذكية، وأدوات الإنتاجية. لذلك لم ترتفع أسهم كل الشركات بالطريقة نفسها.
فقد حققت شركات مكاسب ضخمة لأنها تمتلك مكونات أساسية في هذه المنظومة. بينما حققت شركات أخرى مكاسب أقل بسبب اعتمادها على شراكات أو استثمارات غير مباشرة.
“مايكروسوفت” تربح من رهانها المبكر على “OpenAI”
كانت “مايكروسوفت” من أوائل الشركات الكبرى التي راهنت على “OpenAI”. وجاء هذا الرهان في وقت كان فيه الذكاء الاصطناعي لا يزال مشروعًا بحثيًا عالي المخاطر.
ووفق إفصاحات قدمتها “مايكروسوفت” إلى هيئة الأوراق المالية الأميركية، تملك الشركة نحو 27% من “OpenAI” على أساس مخفف. وجاء ذلك بعد إعادة هيكلة الشركة إلى كيان ذي منفعة عامة.
وتعادل هذه الحصة، وفق تقييمات جولة التمويل السابقة، قيمة تقترب من 135 مليار دولار. ويأتي ذلك مقارنة باستثمار بلغ إجماليه نحو 13 مليار دولار.
لماذا استفادت “مايكروسوفت” من “OpenAI”؟
استفادت “مايكروسوفت” لأنها حولت استثمارها في “OpenAI” إلى مركز قوة داخل منتجاتها. فقد أصبحت الشركة بوابة مؤسسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي عبر “Azure” و”Copilot” و”GitHub”.
ولم يظهر هذا الاستثمار بالقيمة السوقية الكاملة داخل القوائم المالية التقليدية. لكنه ظهر بوضوح في طريقة تقييم المستثمرين لسهم الشركة.
وباتت “مايكروسوفت” في نظر الأسواق أكثر من شركة برمجيات. فهي تمتلك الآن حضورًا قويًا في السحابة، والإنتاجية، والبنية التحتية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
مخاطر الاستثمار في “OpenAI”
رغم المكاسب الكبيرة، تتحمل “مايكروسوفت” جزءًا من خسائر “OpenAI” التشغيلية. ويحدث ذلك بسبب اعتماد المحاسبة بطريقة حقوق الملكية.
وتمنح هذه الطريقة المستثمرين صورة أوضح عن طبيعة الرهان. فالشركة تستفيد من فرصة طويلة الأجل، لكنها تتحمل أيضًا جزءًا من تكاليف النمو.
ويجعل ذلك استثمار “مايكروسوفت” في “OpenAI” مثالًا واضحًا على معادلة المخاطرة والعائد في قطاع الذكاء الاصطناعي.
“إنفيديا” تربح من السيطرة على الرقائق
إذا كانت “مايكروسوفت” قد ربحت من الملكية المبكرة، فإن “إنفيديا” ربحت من السيطرة التقنية. فقد أصبحت الشركة المورد الأهم للرقائق المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتتداول “إنفيديا” قرب مستويات قياسية، بعدما تجاوزت قيمتها السوقية 5 تريليونات دولار. وتعد هذه قيمة غير مسبوقة في تاريخ الشركات المدرجة.
ومنذ أبريل الماضي، أضافت الشركة ما يقرب من 3 تريليونات دولار إلى قيمتها السوقية. وجاء ذلك بدعم طلب ضخم على رقائق مراكز البيانات.
مراكز البيانات تقود صعود “إنفيديا”
تحولت مراكز البيانات إلى المحرك الأكبر لإيرادات “إنفيديا”. فقد زادت الشركات الكبرى إنفاقها على شرائح الذكاء الاصطناعي، بهدف تدريب النماذج وتشغيل التطبيقات الذكية.
وتجاوزت معدلات نمو إيرادات مراكز البيانات لدى “إنفيديا” 70% سنويًا خلال ذروة الطفرة. ويعكس ذلك حجم الاعتماد العالمي على معالجات الشركة.
كما منح نقص المعروض الشركة قوة تسعيرية كبيرة. فالعرض لم يواكب الطلب، ما دعم هوامش الربح ورفع توقعات المستثمرين.
“إنفيديا” تبني محفظة استثمارات في الذكاء الاصطناعي
لم تكتف “إنفيديا” ببيع الرقائق. فقد دخلت الشركة في استثمارات مباشرة داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.
وتظهر إفصاحات تنظيمية امتلاك الشركة حصصًا في شركات مثل “CoreWeave” و”Nebius” و”Recursion” و”WeRide”. كما تدير الشركة استثمارات أوسع عبر ذراعها “NVentures”.
ويكشف هذا التوجه رغبة “إنفيديا” في ضمان موقع داخل الموجة التالية من الذكاء الاصطناعي. فهي لا تريد أن تبقى موردًا للرقائق فقط.
ندم “إنفيديا” على فرصة “OpenAI”
في أبريل 2026، قال الرئيس التنفيذي جنسن هوانغ إن “إنفيديا” فقدت فرصة الدخول المبكر في “OpenAI” و”Anthropic”. ويشرح هذا التصريح سبب توسع الشركة لاحقًا في الاستثمارات.
وتسعى “إنفيديا” الآن إلى بناء محفظة واسعة من رهانات الذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه المحفظة إلى تقليل مخاطر فوات فرص كبرى في المستقبل.
ويعني ذلك أن الشركة لا تراهن فقط على بيع الشرائح. بل تحاول المشاركة في ملكية الشركات التي تصنع الطلب على هذه الشرائح.
“ألفابيت” تراهن على المنافسين
اتبعت “ألفابيت” مسارًا مختلفًا عن “مايكروسوفت”. فلم تعتمد على رهان واحد، بل وسعت حضورها عبر الاستثمار في شركات منافسة.
وفي أبريل 2026، كشفت تقارير أن “ألفابيت” التزمت باستثمار يصل إلى 40 مليار دولار في “Anthropic”. ويبدأ الاستثمار بدفعة أولى تبلغ 10 مليارات دولار.
وتأتي هذه الصفقة عند تقييم يصل إلى 350 مليار دولار. كما تمتلك “ألفابيت” حصصًا قائمة تقدر بنحو 14% قبل الجولة الأخيرة.
لماذا تستثمر “ألفابيت” في منافس لنماذجها؟
تتنافس “Anthropic” مع نماذج “Gemini” التابعة لـ”جوجل”. ومع ذلك، يقرأ السوق هذه الخطوة بوصفها تحوطًا استراتيجيًا.
فإذا نجحت “Anthropic”، تستفيد “ألفابيت” كمستثمر. وإذا احتاجت الشركة الناشئة إلى بنية تحتية، تستفيد “ألفابيت” عبر خدمات السحابة ووحدات “TPU”.
وبهذه الطريقة، تحاول “ألفابيت” الحفاظ على مكاسبها، سواء فازت نماذجها أو فاز أحد المنافسين داخل السوق.
صعود قيمة “ألفابيت” بدعم الذكاء الاصطناعي
أصبحت “ألفابيت” ثاني أكثر شركة قيمة في العالم، بعد أن تجاوز تقييمها 4 تريليونات دولار. وأضافت الشركة أكثر من 2 تريليون دولار إلى قيمتها خلال عام واحد.
وجاء هذا الصعود بدعم ثقة المستثمرين في قدرة الشركة على المنافسة داخل الذكاء الاصطناعي. كما ساعد حضورها في السحابة والإعلانات والبيانات على دعم التقييم.
ولا ينظر السوق إلى “ألفابيت” كشركة بحث وإعلانات فقط. بل يراها لاعبًا رئيسيًا في النماذج والبنية التحتية والاستثمار التقني.
شركتان تضيفان 5 تريليونات دولار
بحسب بيانات جمعتها “العربية Business”، أضافت “إنفيديا” و”ألفابيت” نحو 5 تريليونات دولار إلى قيمتهما السوقية خلال عام واحد.
وجاءت الحصة الأكبر من هذه المكاسب لصالح “إنفيديا”، التي استفادت من طفرة الرقائق ومراكز البيانات. بينما استفادت “ألفابيت” من السحابة ونماذج الذكاء الاصطناعي والاستثمارات الاستراتيجية.
وتؤكد هذه المكاسب أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا فرعيًا داخل التكنولوجيا. بل أصبح عاملًا مركزيًا في تقييم أكبر الشركات عالميًا.
“TSMC” و”أمازون” ضمن الرابحين
لم تقتصر المكاسب على “إنفيديا” و”ألفابيت”. فقد استفادت “TSMC” التايوانية من تسارع إنتاج الرقائق، ومن أزمة رقائق الذاكرة.
وأضافت “TSMC” نحو 1.1 تريليون دولار إلى قيمتها السوقية خلال الفترة نفسها. ويعكس ذلك أهمية الشركة في تصنيع الشرائح المتقدمة.
كما ارتفعت القيمة السوقية لـ”أمازون” إلى مستوى قياسي بلغ 2.83 تريليون دولار. وأضافت الشركة نحو 900 مليار دولار خلال 12 شهرًا.
كيف استفادت “أمازون” من الذكاء الاصطناعي؟
استفادت “أمازون” من الذكاء الاصطناعي عبر مسارين رئيسيين. الأول يرتبط باستثماراتها في شركات الذكاء الاصطناعي، والثاني يأتي من خدماتها السحابية عبر “AWS”.
وتستضيف “AWS” كميات ضخمة من البيانات والتطبيقات الذكية. كما تقدم بنية تحتية تحتاجها الشركات لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وبذلك تظل “أمازون” جزءًا مهمًا من سباق الذكاء الاصطناعي، حتى إن لم تتصدر المشهد الإعلامي مثل “إنفيديا” أو “OpenAI”.
هل طفرة الذكاء الاصطناعي فقاعة؟
ترى بنوك استثمارية أن ما يحدث لا يشبه فقاعة موحدة. بل يبدو أقرب إلى إعادة تصنيف للشركات وفق علاقتها بسلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي.
فالشركات التي تملك الرقائق أو السحابة أو النماذج تحصل على تقييمات أعلى. أما الشركات التي تتابع الموجة دون موقع واضح، فقد تواجه ضغوطًا لاحقًا.
ويعني ذلك أن السوق يميز بين الشركات التي تمتلك أصولًا حقيقية داخل المنظومة، والشركات التي تعتمد فقط على سردية الذكاء الاصطناعي.
سباق القيمة في الذكاء الاصطناعي
تؤكد القفزة السوقية الكبرى أن الذكاء الاصطناعي أصبح معيارًا جديدًا لقوة شركات التكنولوجيا. فمن يملك الرقائق، أو السحابة، أو النماذج، يملك موقعًا مؤثرًا في الاقتصاد الرقمي القادم.
وتكشف مكاسب “إنفيديا” و”ألفابيت” أن السيطرة على البنية التحتية قد تكون أكثر ربحية من تطوير التطبيقات وحدها. كما يوضح رهان “مايكروسوفت” أن الدخول المبكر قد يصنع قيمة ضخمة.
وفي المقابل، يدفع ندم “إنفيديا” على عدم دخول “OpenAI” مبكرًا الشركات إلى البحث عن رهانات جديدة. فسباق الذكاء الاصطناعي لم ينته بعد، لكنه أصبح أكثر تكلفة وتعقيدًا.








