AI بالعربي – متابعات
أثار سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، نقاشًا واسعًا بعد تصريحاته الأخيرة حول استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة والمياه. جاءت تصريحاته خلال مشاركته في قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند، حيث دافع عن البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
رفض ألتمان الانتقادات التي تتهم مراكز البيانات بهدر الموارد الطبيعية، معتبرًا أن كثيرًا من هذه المخاوف مبالغ فيها ولا تعكس الواقع التقني الحالي. وقد أعاد طرح النقاش العالمي حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة البيئية.
الذكاء الاصطناعي تحت ضغط الانتقادات البيئية
تزايدت خلال الأشهر الأخيرة المخاوف المرتبطة باستهلاك الطاقة والمياه في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي. وانتشرت تقارير على الإنترنت تزعم أن ChatGPT يستهلك كميات ضخمة من المياه مع كل استعلام.
نفى ألتمان هذه الادعاءات بشكل مباشر. وأكد أن هذه الأرقام غير دقيقة، وأنها تقدم صورة مضللة عن طبيعة تشغيل النماذج الذكية. وأوضح أن استهلاك الموارد لا يمكن قياسه عبر سؤال فردي، بل عبر النظام الكامل للبنية الحاسوبية.
تعتمد مراكز البيانات تقليديًا على المياه في عمليات التبريد للحفاظ على استقرار الأجهزة الإلكترونية. ومع تطور التقنيات، بدأت شركات عديدة في اعتماد حلول تبريد متقدمة تقلل الحاجة إلى المياه أو تستغني عنها جزئيًا.
مقارنة مثيرة بين الإنسان والآلة
أثارت المقارنة التي قدمها ألتمان جدلًا كبيرًا، بعدما قارن بين استهلاك الطاقة في الذكاء الاصطناعي والطاقة التي يستهلكها الإنسان نفسه.
أوضح أن تدريب نموذج ذكاء اصطناعي يشبه، من زاوية معينة، عملية تدريب الإنسان عبر سنوات طويلة من التعلم والنمو. وأشار إلى أن الفرد يحتاج قرابة عشرين عامًا من التطور المعرفي والغذائي حتى يصل إلى مستوى إدراكي متكامل.
وأكد أن المقارنة العادلة لا تتمثل في قياس طاقة التدريب فقط، بل في مقارنة الطاقة التي يستهلكها النموذج بعد التدريب أثناء الإجابة عن سؤال، مقابل الطاقة التي يستخدمها الإنسان لإنجاز المهمة ذاتها.
مفهوم “الاستدلال” يغير طريقة القياس
أشار ألتمان إلى مفهوم “الاستدلال”، وهو المرحلة التي يستخدم فيها النموذج المدرب معرفته لإنتاج إجابات جديدة. وتستهلك هذه المرحلة طاقة أقل بكثير من مرحلة التدريب الأولية.
ويرى خبراء أن هذا التحول في طريقة القياس قد يغير فهم الجمهور لتأثير الذكاء الاصطناعي البيئي. فالنماذج الحديثة أصبحت أكثر كفاءة مقارنة بالأجيال السابقة، خاصة مع تطور المعالجات والخوارزميات.
الطاقة لا تزال التحدي الأكبر
رغم تقليله من مخاوف استهلاك المياه، اعترف ألتمان بأن استهلاك الطاقة يمثل التحدي الحقيقي أمام مستقبل الذكاء الاصطناعي. وأكد أن توسع استخدام الأنظمة الذكية عالميًا يفرض الحاجة إلى مصادر طاقة جديدة ومستدامة.
دعا ألتمان إلى تسريع الاستثمار في الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويرى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يرتبط مباشرة بسرعة التحول نحو الطاقة النظيفة.
تتوافق هذه الرؤية مع اتجاه عالمي متزايد لربط نمو الاقتصاد الرقمي بالتحول الطاقي، خاصة مع ارتفاع الطلب على الحوسبة السحابية والخدمات الذكية.
توقعات بزيادة استهلاك المياه عالميًا
رغم التطورات التقنية، حذرت تقارير متخصصة في تكنولوجيا المياه من احتمال تضاعف استهلاك المياه في أنظمة التبريد خلال العقود المقبلة. ويرتبط ذلك بالطلب المتزايد على الحوسبة عالية الأداء.
تشير الدراسات إلى أن توسع الذكاء الاصطناعي سيزيد الضغط على شبكات المياه والطاقة معًا. ويعكس ذلك التحول الكبير الذي يشهده الاقتصاد العالمي نحو الاعتماد على البنية الرقمية.
انتقادات فلسفية لمقارنة الإنسان بالتكنولوجيا
لم تمر تصريحات ألتمان دون ردود فعل معارضة. فقد انتقد سريدهار فيمبو، المؤسس المشارك لشركة زوهو الهندية، فكرة المساواة بين الإنسان والتكنولوجيا.
وكتب عبر منصة إكس أنه لا يرغب في عالم يُقارن فيه الإنسان بالآلة، معتبرًا أن هذه المقارنة تتجاهل البعد الإنساني والأخلاقي للوجود البشري.
يعكس هذا الجدل انقسامًا متزايدًا داخل مجتمع التكنولوجيا بين من يرى الذكاء الاصطناعي امتدادًا لقدرات الإنسان، ومن يعتبره أداة يجب أن تبقى تحت السيطرة البشرية الكاملة.
سباق عالمي لبناء مراكز البيانات
يتزامن الجدل مع موجة استثمارات ضخمة في إنشاء مراكز بيانات جديدة حول العالم. وتضخ الحكومات والشركات مليارات الدولارات لدعم الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي.
تشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات العالمية أصبح قريبًا من استهلاك دول صناعية كبرى. ويبرز ذلك حجم التحول الذي أحدثه انتشار ChatGPT وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
دفعت هذه التطورات بعض الحكومات إلى تسريع مشاريع الطاقة الجديدة لضمان استقرار الإمدادات الكهربائية. في المقابل، حذر ناشطون بيئيون من أن هذا التوسع قد يتعارض مع أهداف الحياد الكربوني.
مقاومة محلية لمشاريع البنية الرقمية
شهدت عدة مناطق في الولايات المتحدة احتجاجات ضد إنشاء مراكز بيانات جديدة بسبب مخاوف تتعلق بارتفاع أسعار الطاقة والضغط على الشبكات المحلية.
رفض مجلس مدينة سان ماركوس في ولاية تكساس مشروع مركز بيانات ضخم بقيمة 1.5 مليار دولار بعد معارضة مجتمعية واسعة. ويعكس القرار تزايد حساسية المجتمعات تجاه آثار البنية الرقمية الثقيلة.
الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والتسويق
يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم في تطبيقات متعددة. ويظهر أحيانًا كأداة إنتاجية فعالة، بينما يستخدم في حالات أخرى كعنصر تسويقي داخل تحديثات البرامج.
يشير محللون إلى أن النمو المتسارع للقطاع يرفع الطلب على الرقائق الإلكترونية والمعادن والطاقة والبنية السحابية. ويؤكد ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية، بل أصبح صناعة متكاملة تقود الاقتصاد الرقمي.
مستقبل الطاقة في عصر الذكاء الاصطناعي
تقدّر وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات تمثل نحو 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمي حاليًا. ويتوقع الخبراء ارتفاع هذه النسبة بشكل واضح خلال السنوات المقبلة.
في ألمانيا، تتجاوز حصة مراكز البيانات 4% من استهلاك الكهرباء الوطني. وتصل النسبة في مدينة فرانكفورت إلى مستويات مرتفعة بسبب تركّز البنية الرقمية فيها.
تشير التوقعات إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء قد يتضاعف بحلول عام 2030. وقد تصل حصة مراكز البيانات إلى 10% من استهلاك الطاقة الوطني في بعض الدول خلال العقد المقبل.
لماذا يثير الذكاء الاصطناعي هذا الجدل العالمي؟
يرتبط الجدل الحالي بثلاثة محاور رئيسية. يتمثل الأول في الاستدامة البيئية، والثاني في مستقبل الوظائف البشرية، والثالث في العلاقة الفلسفية بين الإنسان والآلة.
تظهر تصريحات ألتمان أن قادة التكنولوجيا يرون الذكاء الاصطناعي مرحلة تطور طبيعي في تاريخ الابتكار البشري. بينما يخشى منتقدون من أن يؤدي تسارع التطور التقني إلى تجاوز الحدود الأخلاقية والاجتماعية.
كيف تؤثر تصريحات ألتمان على مستقبل الذكاء الاصطناعي؟
تعكس تصريحات ألتمان تحول النقاش العالمي من سؤال “هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال “كيف نستخدمه بشكل مستدام؟”.
أصبح التحدي الرئيسي أمام الصناعة هو تحقيق التوازن بين الابتكار التقني وحماية الموارد الطبيعية. ويبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيعتمد على نجاح هذا التوازن خلال السنوات القادمة.
هل يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة من الإنسان؟
يرى بعض الباحثين أن التطور المستمر في الخوارزميات والمعالجات قد يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة في تنفيذ مهام محددة. ومع ذلك، يؤكد خبراء أن الذكاء البشري ما زال يتميز بالوعي والسياق العاطفي والقدرة الأخلاقية.
يبقى السؤال مفتوحًا حول حدود المقارنة بين الإنسان والآلة، وهو سؤال مرشح للاستمرار مع تسارع الابتكار التقني عالميًا.








