الذكاء الاصطناعي يعلّم البشر فن الإنصات دون أحكام

AI بالعربي – متابعات

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة أو تنفيذ المهام الرقمية، بل تحوّل تدريجيًا إلى مرآة تعكس طريقة تواصل البشر مع بعضهم، وتكشف في الوقت نفسه جوانب من القصور في مهارات الحوار الإنساني، وعلى رأسها مهارة الإنصات. فمع الانتشار الواسع لروبوتات الدردشة مثل “ChatGPT”، بدأ كثير من المستخدمين يلاحظون أن التفاعل مع هذه الأنظمة يمنحهم مساحة للحديث دون مقاطعة، ودون خوف من الأحكام الاجتماعية أو ردود الفعل المتسرعة، وهو ما فتح نقاشًا متزايدًا حول ما إذا كانت هذه التقنيات قادرة على تعليم البشر ثقافة إنصات أكثر تعاطفًا.

وتشير تجارب عدد متزايد من المستخدمين إلى أنهم يجدون في الذكاء الاصطناعي مساحة آمنة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، حيث لا يواجهون نقدًا مباشرًا أو استعجالًا في الرد أو محاولة لتوجيه الحديث، بل يحصلون على استجابة هادئة تعكس ما يقولونه. هذا النمط من التفاعل، رغم كونه آليًا، يدفع إلى التساؤل حول سبب افتقاد كثير من الحوارات الإنسانية لهذا المستوى من الحضور والانتباه.

الذكاء الاصطناعي يفرض ثقافة عدم المقاطعة

يميل البشر في المحادثات اليومية إلى مقاطعة بعضهم لأسباب متعددة، مثل الحماس أو الرغبة في المساعدة أو محاولة اختصار الوقت، غير أن الدراسات تشير إلى أن المقاطعة تقلل شعور المتحدث بأن الطرف الآخر يتعاطف معه أو يفهمه بعمق. في المقابل، تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة، إذ تنتظر اكتمال الرسالة قبل الرد، ولا تتأثر بالملل أو الضغط الاجتماعي أو ضيق الوقت، ما يمنح المتحدث فرصة للتعبير الكامل عن أفكاره، ويساعده على تنظيم مشاعره بصورة أوضح.

دراسات حديثة تكشف تفضيلًا للإنصات الرقمي

أظهرت تقارير منشورة في “Harvard Business Review” خلال عام 2025 أن الاستخدامات المرتبطة بالدعم النفسي والحوار العاطفي أصبحت من بين أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي انتشارًا، حيث يلجأ أفراد كثر إلى أدوات مثل “ChatGPT” للحديث عن مشكلاتهم الشخصية. اللافت في هذه الدراسات أن بعض المشاركين قيّموا استجابات الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تعاطفًا من ردود بشرية، حتى عندما صدرت هذه الردود من مختصين في مجالات الدعم وإدارة الأزمات. ويرى باحثون أن هذا لا يعكس تفوق الآلة بقدر ما يكشف ندرة الإنصات الخالي من الأحكام في العلاقات الإنسانية.

قراءة المشاعر وإعادة عكسها

تتميز النماذج اللغوية بقدرتها على تحليل اللغة من منظور عاطفي، إذ تستطيع التقاط مؤشرات الحزن أو القلق أو الخوف داخل النص، ثم إعادة صياغتها في ردود تعكس هذه المشاعر، وهو ما يمنح المستخدم إحساسًا بأنه مفهوم. وقد أظهرت تجارب مقارنة أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي حققت دقة مرتفعة في رصد مشاعر أساسية مثل السعادة والحزن والخوف، وفي حالات معينة تفوقت على البشر في هذا الجانب. ورغم أن هذه الأنظمة لا تشعر فعليًا، فإن قدرتها على تحليل الأنماط اللغوية تمنح انطباعًا قويًا بالإنصات.

التعامل مع المشاعر الصعبة

يميل البشر غالبًا إلى الهروب من المشاعر المؤلمة عبر عبارات التخفيف السريع أو محاولة تغيير الموضوع، في حين أن المتحدث قد يحتاج ببساطة إلى الاعتراف بمشاعره. أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتجنب موضوعات الحزن أو القلق، ولا تُظهر توترًا عند مناقشتها، وهو ما يمنح بعض المستخدمين شعورًا بالأمان عند الحديث عن تجاربهم الصعبة. ويشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن توفير مساحة للتعبير عن المشاعر المعقدة يساعد الأفراد على فهم ذواتهم بصورة أفضل.

غياب الأحكام الاجتماعية

يُعد إصدار الأحكام سلوكًا إنسانيًا مرتبطًا بالتجارب والخلفيات الشخصية، لكنه قد يعرقل الحوارات الحساسة، خاصة عندما يشارك شخص أفكارًا هشة أو مشاعر خاصة. التفاعل مع الذكاء الاصطناعي يخفف هذا العبء، إذ لا يواجه المستخدم نظرات استغراب أو نبرة لوم أو تقييمًا اجتماعيًا، ما يشجعه على الإفصاح بصورة أكبر. هذا الأمان النفسي يوضح أهمية أن يتعلم المستمع البشري تعليق أحكامه مؤقتًا أثناء الحوار.

ملاحظة الأنماط العاطفية

خلال الأحاديث الطويلة تظهر أنماط متكررة من القلق أو الحزن مرتبطة بمواضيع معينة، غير أن البشر قد لا ينتبهون لها لانشغالهم بتفاصيل متعددة داخل الحوار. في المقابل، تستطيع الخوارزميات تتبع هذه الأنماط اعتمادًا على تحليل البيانات، ثم إعادة عرضها بصورة مترابطة تساعد المستخدم على رؤية قصته من منظور أشمل. هذا الجانب يبرز قيمة السرد في فهم التجربة الإنسانية.

بين الدعم العاطفي وتقديم الحلول

كثير من الأشخاص، خصوصًا في مواقع قيادية أو أسرية، يميلون إلى تقديم النصائح بسرعة، اعتقادًا أن ذلك مفيد، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أن المتحدث يحتاج أحيانًا إلى تعاطف قبل الحلول. الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يركّز على الدعم العاطفي بدل اقتراح الحلول المباشرة، وهو سلوك يمكن للبشر تبنّيه بوعي لتحسين جودة إنصاتهم.

مخاطر الاعتماد المفرط

رغم الجوانب الإيجابية، يحذر باحثون من الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي بوصفه مستمعًا دائمًا، إذ إن هذه الأنظمة تحاكي التعاطف ولا تمتلكه فعلًا، كما أنها قد تخطئ أو تقدّم نصائح غير مناسبة في بعض الحالات. وهناك مخاوف من أن يفضّل بعض الأفراد التفاعل مع الروبوتات على بناء علاقات إنسانية، نتيجة الاعتياد على اهتمام متواصل بلا حدود، ما قد يؤثر في مهارات التواصل الاجتماعي على المدى الطويل.

التواصل الإنساني يبقى الأساس

يرى مختصون أن القيمة الحقيقية للإنصات الإنساني تكمن في أن شخصًا يختار تخصيص وقته واهتمامه للآخر، وهو فعل يحمل بُعدًا عاطفيًا لا يمكن برمجته. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مساعدة أو مصدر إلهام لتطوير مهارات الإنصات، لكنه لا يشكّل بديلًا عن العلاقات البشرية. التحدي الأهم يظل في أن يتعلم البشر الإنصات بصدق، وأن يمنحوا بعضهم مساحة للحديث دون مقاطعة أو أحكام، لأن هذا النوع من الحضور الإنساني يحمل أثرًا تحويليًا لا تزال التكنولوجيا عاجزة عن مضاهاته.

  • Related Posts

    الذكاء الاصطناعي و”Fine-tuning”.. تخصيص نموذج للمؤسسات: ذكاء يفهم سياقك أم يتحيز له؟

    AI بالعربي – متابعات مع توسّع استخدام النماذج اللغوية داخل المؤسسات، لم يعد الاكتفاء بنموذج عام كافيًا. الشركات تريد نموذجًا “يفهمها”، يعرف مصطلحاتها الداخلية، أسلوبها، وسياساتها. هنا يظهر Fine-tuning بوصفه…

    الذكاء الاصطناعي و”LoRA”.. تخصيص سريع: كيف تغيّر طبقة صغيرة سلوك نموذج كبير؟

    AI بالعربي – متابعات في عالم النماذج اللغوية الضخمة، يبدو تعديل نموذج كامل مهمة مكلفة ومعقّدة، تحتاج موارد حوسبة ضخمة ووقتًا طويلًا. هنا يظهر مفهوم LoRA – Low-Rank Adaptation بوصفه…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مقالات

    الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

    • نوفمبر 29, 2025
    • 265 views
    الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

    الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

    • نوفمبر 22, 2025
    • 295 views
    الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

    الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

    • نوفمبر 10, 2025
    • 395 views
    الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

    في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

    • نوفمبر 8, 2025
    • 435 views
    في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

    “تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

    • أكتوبر 30, 2025
    • 439 views
    “تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

    الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر

    • أكتوبر 12, 2025
    • 550 views
    الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر