AI بالعربي – متابعات
يشهد العالم توسعًا متسارعًا في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تطبيقات المحادثة الذكية، وهو توسع لا يقتصر على تغيير طرق الوصول إلى المعلومات فحسب، بل يمتد ليؤثر في أنماط التواصل الإنساني وعلاقة الأفراد بمحيطهم الاجتماعي. ومع تحول هذه التطبيقات إلى رفيق يومي لكثير من المستخدمين، بدأ الباحثون في الالتفات إلى الأبعاد النفسية لهذا الحضور الرقمي الكثيف، سعيًا لفهم ما إذا كان الاستخدام المتكرر يمكن أن يترك آثارًا تتجاوز الفائدة التقنية المباشرة.
دراسة أميركية تفتح باب النقاش
في هذا السياق، أثارت دراسة حديثة أُجريت في الولايات المتحدة نقاشًا واسعًا بعد أن تناولت العلاقة بين كثافة استخدام تطبيقات محادثة الذكاء الاصطناعي والحالة النفسية للمستخدمين. الدراسة لم تنطلق من فرضية أن الذكاء الاصطناعي ضار بحد ذاته، بل حاولت رصد الأنماط السلوكية المرتبطة بالاستخدام الشخصي اليومي، ومقارنتها بمؤشرات الصحة النفسية، لتصل إلى وجود ارتباط إحصائي بين الاستخدام الشخصي المتكرر وارتفاع بعض أعراض الاكتئاب لدى شريحة من المستخدمين.
تفاصيل النتائج وماذا تعني الأرقام
قاد الدراسة باحثون من مستشفى ماساتشوستس العام وكلية طب وايل كورنيل، وركزوا على الاستخدام خارج إطار العمل أو الدراسة، باعتبار أن الاستخدام الشخصي يعكس دوافع مختلفة مثل الترفيه أو البحث عن الدعم أو قضاء الوقت. وأظهرت النتائج أن الأفراد الذين يستخدمون تطبيقات المحادثة الذكية بكثافة لأغراض شخصية سجلوا ارتفاعًا طفيفًا في مؤشرات الاكتئاب مقارنة بغيرهم، حيث وصلت نسبة الزيادة إلى نحو 30%، وهو رقم اعتبره الباحثون ملحوظًا لكنه لا يثبت علاقة سببية مباشرة.
ارتباط لا يعني سببية
شدد الفريق البحثي على أن الارتباط الإحصائي لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يسبب الاكتئاب، بل قد يشير إلى أن بعض الأفراد الذين يعانون أصلًا من مشاعر سلبية يميلون لاستخدام هذه التطبيقات أكثر. هذا النمط، بحسب الباحثين، يشبه ما رُصد سابقًا في دراسات تناولت الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصعب أحيانًا الفصل بين السبب والنتيجة.
عينة واسعة تعزز موثوقية النتائج
الدراسة الاستقصائية، التي نُشرت نتائجها عبر الجمعية الطبية الأميركية، استمرت شهرين وشملت قرابة 21 ألف بالغ داخل الولايات المتحدة، ما يمنحها وزنًا إحصائيًا نسبيًا. وأظهرت البيانات أن شريحة معتبرة من المشاركين تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي عدة مرات يوميًا لأغراض شخصية، وأن هذه الفئة أبلغت عن مستويات أعلى من أعراض الاكتئاب مقارنة بمن يقتصر استخدامهم على الأغراض المهنية. في المقابل، بدا أن الاستخدام المرتبط بالعمل أقل ارتباطًا بالمشكلات المزاجية، وهو ما لفت انتباه الباحثين إلى دور غرض الاستخدام في تفسير النتائج.
فروق عمرية لافتة
عند تحليل الفئات العمرية، برز نمط لافت لدى من تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عامًا، إذ سجلت هذه الفئة زيادة تصل إلى 50% في احتمال الإبلاغ عن اكتئاب متوسط على الأقل عند الاستخدام اليومي الشخصي. كما لاحظ الباحثون أن المستخدمين الأصغر سنًا لا يُستثنون من التأثر، حيث ارتبط الاستخدام المكثف لديهم بتقلبات مزاجية أكبر وتراجع نسبي في التفاعل الاجتماعي الواقعي، وإن كانت الصورة أكثر تعقيدًا وتتداخل فيها عوامل اجتماعية وشخصية متعددة.
لماذا قد يؤثر الاستخدام على النفسية؟
يرى مختصون أن أحد التفسيرات المحتملة يكمن في طبيعة تطبيقات المحادثة الذكية نفسها، فهي متاحة دائمًا، سريعة الاستجابة، ولا تحمل أحكامًا اجتماعية، ما قد يجعلها ملاذًا مريحًا في لحظات الوحدة أو الضغط. غير أن الاعتماد المتزايد عليها بوصفها بديلًا للتواصل الإنساني قد يقلل تدريجيًا من فرص التفاعل الاجتماعي الحقيقي، وهو تفاعل يحمل عناصر عاطفية عميقة مثل نبرة الصوت وتعابير الوجه ولغة الجسد، وهي عناصر يصعب نقلها بالكامل عبر النصوص.
بين الدعم الرقمي والعزلة الاجتماعية
اللجوء للذكاء الاصطناعي في أوقات الشعور بالوحدة ليس مشكلة في حد ذاته، بل قد يكون مفيدًا أحيانًا، لكن الخطر يظهر عندما يتحول هذا اللجوء إلى بديل دائم عن العلاقات الإنسانية. في هذه الحالة، قد تتعزز العزلة بدل أن تتراجع، ويصبح المستخدم أقل ميلًا لبناء أو الحفاظ على روابط اجتماعية واقعية.
دعوات لمزيد من البحث والتوعية
رغم ما أثارته النتائج من اهتمام، أكد الفريق البحثي أن الدراسة تمثل خطوة أولى فقط، ودعا إلى إجراء أبحاث أطول زمنًا تتابع المستخدمين على مدى سنوات، لفهم التأثيرات بعيدة المدى بشكل أدق. كما شدد الباحثون على أن التكنولوجيا ليست خصمًا للصحة النفسية، وأن العامل الحاسم يظل في كيفية الاستخدام وحدوده، مع ضرورة توعية المستخدمين، خاصة الشباب والمراهقين.
ماذا يعني ذلك للمستخدم العادي؟
لا تعني هذه النتائج ضرورة الابتعاد عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تدعو إلى استخدام متوازن وواعٍ. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية في التعلم والعمل والإبداع، لكنه لا يُفترض أن يحل محل العلاقات الإنسانية. الحفاظ على تواصل اجتماعي حقيقي، ومراقبة الحالة المزاجية، وتقليل الاستخدام عند ملاحظة تأثيرات سلبية، كلها خطوات بسيطة قد تساعد في تحقيق توازن صحي بين العالم الرقمي والحياة الواقعية.








