AI بالعربي – متابعات
لم يعد العقل البشري مساحة مغلقة كما كان يُعتقد سابقًا، فالتقدم العصبي والذكاء الاصطناعي فتحا نافذة جديدة على لحظة اتخاذ القرار، تلك اللحظة التي تتشكل قبل أن ندركها بوعينا، ومع ذلك لا يعني هذا أن الأفكار أصبحت مكشوفة.
القرار يبدأ قبل الشعور به
تشير أبحاث علم الأعصاب الحديثة إلى أن الدماغ يطلق إشارات تمهيدية قبل أن يصل القرار إلى الوعي، حيث تنشط شبكات عصبية في مرحلة تُعرف بما قبل الوعي، وخلالها يُحضَّر الفعل أو الاختيار دون إدراك مباشر من الإنسان.
من صورة الدماغ إلى توقيت القرار
في المراحل الأولى، ركز الباحثون على صور الدماغ الثابتة، لكن التحول الأهم كان زمنيًا، إذ أصبحت النماذج الذكية تراقب متى يبدأ القرار بالتشكل، وليس فقط أين يظهر النشاط العصبي.
التوقيع العصبي لكل إنسان
يمتلك كل فرد نمطًا عصبيًا خاصًا يعكس أسلوب تفكيره وتردده وحسمه، ويتعلم الذكاء الاصطناعي هذا النمط عبر التكرار، ما يسمح له بتوقع اتجاه القرار قبل وعي صاحبه به.
دراسة علمية تثير التساؤلات
في أغسطس 2025، نشر باحثون من معهد بيكمان لعلوم الدماغ بجامعة إلينوي الأميركية دراسة في مجلة Nature Neuroscience، استخدموا فيها نموذج ذكاء اصطناعي يعتمد على الرنين المغناطيسي والتحليل الزمني.
وأظهرت النتائج قدرة النظام على التنبؤ بالاختيار الحركي قبل وعي المشاركين بنحو سبع ثوانٍ، وأكد الفريق أن النموذج لا يقرأ الأفكار، بل يتعرف على أنماط عصبية تمهيدية فقط.
هل الذكاء الاصطناعي يقرأ أفكارنا فعلًا؟
الإجابة العلمية الواضحة هي لا، فالأنظمة الذكية لا تصل إلى معنى الفكرة أو دوافعها، بل تكتفي بتوقع الاتجاه داخل سياق محدد، أما الفكرة الإنسانية فتظل أعمق من أن تُختزل في إشارة.
فوائد طبية دون اختراق الخصوصية
استُخدمت هذه القدرات في الطب لعلاج نوبات الصرع مبكرًا، ورصد الاكتئاب قبل تفاقمه، ومساعدة مرضى الشلل على التواصل عبر واجهات دماغ حاسوب، دون الاقتراب من محتوى التفكير نفسه.
أخلاقيات بيانات الدماغ
مع هذا التقدم، تتزايد الأسئلة الأخلاقية حول ملكية بيانات الدماغ وحدود استخدامها، لذلك تُصنف هذه البيانات ضمن أعلى مستويات الخصوصية، ولا يُسمح باستخدامها إلا بموافقة صريحة وفي أطر بحثية صارمة.
الإنسان أوسع من الخوارزمية
رغم دقة النماذج، يبقى الإنسان أكثر من إشارات عصبية، فالفكرة تجربة وسياق وذاكرة ومعنى، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تطور، أن يمنحها قيمتها الإنسانية.
شراكة لا مواجهة
المستقبل يشير إلى شراكة بين الإنسان والآلة، حيث تتنبأ الخوارزميات، ويحتفظ الإنسان بحق الاختيار والتفسير، ويبقى السؤال الحقيقي هو قدرتنا على رسم الحدود الأخلاقية قبل أن تُفرض علينا.
بهذا، لا يقرأ الذكاء الاصطناعي أفكارنا، لكنه يقترب من لحظة القرار، تاركًا للإنسان المعنى والمسؤولية والاختيار.








