AI بالعربي – متابعات
تواجه ألبانيا جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا واسعًا بعد أن تحولت ممثلة مسرحية مخضرمة إلى محور أزمة سياسية بسبب استخدام وجهها وصوتها في شخصية وزيرة افتراضية مولدة بالذكاء الاصطناعي دون موافقة واضحة منها. القضية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول ملكية الهوية الرقمية، وحدود استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال العام، ومسؤولية الحكومات عند توظيف شخصيات رقمية في مواقع رسمية.
تعود القصة إلى الممثلة الألبانية أنيلا بيشا، التي تمتلك مسيرة فنية تمتد لثلاثة عقود. وافقت في مطلع عام 2025 على تسجيل وجهها وصوتها لاستخدامهما في مساعد افتراضي عبر بوابة حكومية للخدمات الإلكترونية. أرادت آنذاك أن تسهم في تحسين تجربة المواطنين، ولم تتوقع أن يتحول المشروع لاحقًا إلى أزمة شخصية وقانونية.
طورت الجهات المعنية نموذجًا رقميًا يحمل اسم “دييلا”، وتعني الشمس باللغة الألبانية. خضعت بيشا لجلسات تسجيل مطولة. سجل الفريق كل حركة لشفتيها ونبرة صوتها. هدف المشروع كان إنشاء أفاتار تفاعلي قادر على الرد على استفسارات المواطنين وإصدار الوثائق الرسمية. وخلال أشهر قليلة، سجل النظام قرابة مليون تفاعل وأصدر أكثر من 36 ألف وثيقة، ما دفع الحكومة للإشادة بنجاح التجربة.
لكن التطورات أخذت منحى مختلفًا في سبتمبر. أعلن رئيس الوزراء الألباني إدي راما تعيين “أول وزيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي” لتتولى ملف المناقصات العامة. ظهر الأفاتار الرقمي بوجه بيشا وصوتها وهو يلقي خطابًا أمام البرلمان. قالت الشخصية الرقمية إنها لا تحل محل البشر بل تساعدهم. انتشر المقطع إعلاميًا وأثار اهتمامًا محليًا ودوليًا.
هنا بدأت الصدمة بالنسبة للممثلة. أكدت أنها لم توافق على استخدام صورتها وصوتها في دور سياسي. أوضحت أن العقد الذي وقعته يسمح باستخدام هويتها الرقمية ضمن منصة الخدمات فقط. كما انتهت صلاحية الاتفاق في أواخر عام 2025. شعرت بأن نقل صورتها إلى سياق سياسي يمثل تجاوزًا خطيرًا. قالت إنها لم تصدق ما رأت عندما شاهدت نفسها تلقي خطابًا وزاريًا. وأكدت أنها بكت من شدة الصدمة.
تصاعد الجدل عندما صرح رئيس الوزراء لاحقًا بأن “دييلا حامل”، وستنجب 83 طفلًا، في إشارة رمزية لعدد نواب البرلمان. أثار التصريح موجة انتقادات من المعارضة وخبراء قانونيين. ركزت الانتقادات على الجوانب الدستورية ومسألة المساءلة السياسية لشخصية رقمية لا يمكن محاسبتها تقليديًا.
ترى بيشا أن استخدام صورتها في سياق سياسي ألحق بها ضررًا معنويًا. تقول إن بعض المعارضين للحكومة باتوا يهاجمونها شخصيًا. تشعر بأن صورتها الفنية ارتبطت بصراع سياسي لم تختره. لذلك قررت اللجوء إلى القضاء. طالبت المحكمة الإدارية بتعليق استخدام صورتها إلى حين الفصل في الدعوى. رفضت المحكمة الطلب، لكن محاميها أعلن نيته رفع دعوى رسمية خلال أيام.
تطالب الممثلة بتعويض يصل إلى مليون يورو. وتؤكد أنها ستواصل المعركة حتى النهاية. لم تستبعد اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ إذا لزم الأمر. تقول إنها تخشى على مستقبل هويتها الرقمية. تتساءل عمّا قد يحدث لصوتها وملامحها في مشاريع أخرى مستقبلًا.
من جهتها، وصفت متحدثة باسم الحكومة الدعوى بأنها مبالغ فيها، لكنها رحبت بحسم المسألة أمام القضاء. تؤكد السلطات أن المشروع يهدف إلى تحديث الإدارة ومكافحة الفساد. إلا أن القضية تحولت إلى اختبار حقيقي لحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي.
تطرح هذه الأزمة سؤالًا مهمًا حول من يملك الوجه الرقمي والصوت المستنسخ. هل يكفي توقيع عقد تقني لاستخدام الهوية في سياق محدد، أم يجب وضع ضوابط أكثر صرامة؟ كما تثير القضية نقاشًا أوسع حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، خاصة عندما يرتبط الأمر بالتمثيل السياسي والتأثير في الرأي العام.
تعكس قضية أنيلا بيشا تحديًا عالميًا يتجاوز حدود ألبانيا. مع انتشار تقنيات الاستنساخ الصوتي وتوليد الصور الواقعية، أصبحت حماية الهوية الرقمية أولوية ملحة. تتقاطع هذه المسألة مع تجارب دولية مشابهة، ومع تطور نماذج متقدمة من شركات مثل OpenAI التي طورت أنظمة قادرة على توليد أصوات وصور شديدة الواقعية، إضافة إلى تطبيقات مثل ChatGPT التي أعادت تعريف التفاعل بين الإنسان والآلة.
في النهاية، لا تتعلق القضية فقط بممثلة تريد استعادة وجهها، بل بمستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في المجال العام. ما سيقرره القضاء الألباني قد يشكل سابقة قانونية مهمة. كما قد يرسم حدودًا جديدة لاستخدام الأفاتارات في المؤسسات الرسمية. وبين الابتكار والحقوق الفردية، تقف العدالة أمام اختبار حاسم.








