مقالات

الذكاء الاصطناعي.. قدرة تنبؤية باتجاهات التجارة الدولية وإدارة أعلى للمخاطر

هشام محمود

بات الذكاء الاصطناعي حقيقة من حقائق الحياة المعاصرة، وأصبح تأثيره الاقتصادي ملحوظا لا جدال فيه في عديد من الصناعات المتطورة مثل صناعة السيارات والإلكترونيات وغيرها.
وما كان من قناعات في الأمس تحول اليوم إلى إيمان راسخ بأنه في عالم المستقبل واقتصاد الغد سيكون للذكاء الاصطناعي الدور الريادي على الأصعدة كافة.
في عالم اليوم يعمل الذكاء الاصطناعي على تغيير سلاسل التوريد العالمية وأنماط التجارة الدولية، في الوقت ذاته، فإن قواعد التجارة الدولية، التي تحددها منظمة التجارة العالمية أو اتفاقيات التجارة الحرة سيكون لها دور حاسم في زيادة تشكيل كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخدامه عالميا.
يمكن القول إن هناك اتفاقا في وجهات النظر السائدة بين الخبراء بأن الذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية، ويدعم النمو الاقتصادي بمعدلات أكبر وأسرع. وعلى الرغم من وجود خلاف حول تأثيره في سوق العمالة ومعدلات التوظيف، فإنه يوفر فرصا إيجابية وواسعة للتجارة الدولية.
بالطبع الأمر سيستغرق وقتا حتى تفلح الاقتصادات، خاصة الناشئة منها في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة في مكينزمات العمل السائدة حاليا بشكل كامل، واستخدام التقنيات الحديثة القائمة على الذكاء الاصطناعي بشكل فعال، خاصة أن تلك العملية تتطلب استثمارات مالية ضخمة، وعملية تدريب متطورة وواسعة النطاق لسوق العمل، والأهم إحداث تغيرات جذرية في ثقافة العمل ذاتها.
في مجال التجارة الدولية، فإن الذكاء الاصطناعي سيتبوأ مكانة مركزية في المستقبل عبر التأثير في تطوير وإدارة سلاسل القيمة العالمية، مع تحسين القدرة التنبؤية بالاتجاهات المستقبلية المتعلقة بتغيرات طلب المستهلكين، مع إدارة المخاطر التجارية بشكل أفضل، إضافة إلى خفض التكاليف من خلال إدارة المخازن والمستودعات بشكل أكثر كفاءة، لما لذلك من تأثير إيجابي في كل من عملية التصنيع والتسليم.
في هذا السياق يفرق مهندس البرمجة الإلكترونية أيه. سي دين بين مستويين من الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال يقف عند الخطوات الأولى من المستوى الأول.
وقال لـ”الاقتصادية” لا نزال بشكل رئيس في مرحلة الذكاء الاصطناعي الضيق، الذي يقدم خدمات الترجمة والمحادثات والمركبات ذاتية القيادة، وهناك ذكاء صناعي أكثر عمقا، وسيكون تأثيره أكبر في المسار العالمي، وهو المرتبط بأنظمة التعليم الذاتي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي التعلم من البشر والتفوق على الأداء الإنساني.
وتعتمد المرحلة الراهنة من الذكاء الاصطناعي على ضرورة توافر كميات كبيرة من البيانات والخوارزميات القوية لتحليل البيانات المتاحة وتطوير القدرة على التنبؤ تجاه المستقبل.
هذا المستوى والمضي فيه قدما يدفع الدكتورة هولي كريس، أستاذة النظم الاقتصادية الحديثة في جامعة أكسفورد إلى الربط بين الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي والتجارة الدولية.
وحول آليات الربط بين تلك العناصر الثلاثة، ذكر لـ”الاقتصادية” أن “إدماج مزيد من قدرات الذكاء الاصطناعي في المنظومة الإنتاجية سيرفع من جودة المنتج، بما يترب على ذلك من آثار على التجارة الدولية، ويرجح أن يعزز الذكاء الاصطناعي تحول الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد خدمي عبر توسيع الأتمتة وعدم الحاجة إلى عمالة يدوية كثيفة”.
وتضيف “لكن التأثير الأبرز للذكاء الاصطناعي سيكون في مجال تطوير وإدارة سلاسل القيمة العالمية، بل يمكن أن يحدث أيضا تغيرات في سلاسل التوريد الممتدة، وربما يصيب الاقتصادات، التي تعتمد على المجموعات الكبيرة من العمالة المنخفضة التكلفة بالضرر”.
وتوضح الدكتورة هولي كريس أن الآلية، التي تدعم التجارة الدولية وتقصد عملية التمويل التجاري لا تزال صناعة قائمة إلى حد كبير على الأساليب التقليدية وتعتمد على العمليات اليدوية، هذه الصناعة تبلغ قيمتها السنوية 18 تريليون دولار، والآن باتت تتأثر بشكل متزايد بالابتكارات التكنولوجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وربما تتضح أهمية تلك النقطة تحديدا من أن صناعة التمويل التجاري، التي لا تزال تعتمد على عمليات الإدخال اليدوي للقيم المحاسبية، قد أحدث فيها الذكاء الاصطناعي تغييرات لمصلحة الشركات الصغيرة، التي باتت بفضل التقنيات الحديثة قادرة على الوصول بشكل أكثر فاعلية لمصادر التمويل الملائمة، والأهم تعززت قدرتها في الوصول للأسواق العالمية عبر الربط بين الشركات الصغيرة والمنصات الرقمية من خلال آليات الذكاء الاصطناعي.
مع هذا يرى بعض الخبراء أن الأمر ليس بهذه الدرجة من السهولة، وأن هناك بعض المعوقات الكامنة في طبيعة النظام العالمي تحول دون تحقيق الاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي، في تعزيز بعض جوانب التجارة الدولية في قطاعات محددة، فعلى سبيل المثال يتطلب تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات الرعاية الصحية أن تتجاوز البيانات الصحية الحدود الوطنية، وهو أمر لا يزال محل نقاش في أفضل تقدير، بسبب القيود المفروضة على تدفق البيانات عبر الحدود في كثير من الأحيان.
تلك الملاحظة، التي تضع حدودا على قدرة الذكاء الاصطناعي في دعم النمو لأسباب تتعلق بطبيعة النظام الدولي، ترتبط بقضية أكثر جوهرية تبحث في عواقب الذكاء الاصطناعي، مقارنة بعواقب العولمة الاقتصادية.
البروفيسور ك. أستون، أستاذ النظرية الاقتصادية في جامعة بولتون، يوضح لـ”الاقتصادية” التأثيرات المختلفة للذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، مقارنة بالعولمة بالقول “العولمة تعني زيادة تنقل السلع والأموال والابتكارات وبدرجة أقل الأشخاص عبر الحدود الوطنية، هذا الوضع أدى إلى إيجاد شركات إنتاج عابرة للأوطان، والذكاء الاصطناعي لا يتطور بهذا الوضع، نظرا للزيادة الحادة في القومية الاقتصادية، باختصار المؤمنين بالعولمة يرون أن الانفتاح الاقتصادي على الآخرين، يجعل البلدان الأكثر انفتاحا أكثر ربحا. الأمر في الذكاء الاصطناعي ليس كذلك، فالبلدان الأكثر ربحا هي الأكثر حرصا على عدم مشاركة المعرفة العلمية والتجارية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي هذا يجعلها متفردة عن الآخرين وأكثر تميزا”.
ويضيف “هذا يعود إلى أن الذكاء الاصطناعي له استخدامات عسكرية وأمنية، كما يحتاج ليكون فعالا كمية ضخمة من البيانات، وبالطبع كل بلد أو شركة تخشى أن تقع تلك البيانات في أيدي خصومها”.
في الواقع يصنع هذا الطرح جدلا حادا حول إمكانية الصدام بين عواقب العولمة وعواقب الذكاء الاصطناعي، فالعولمة تتطلب مزيدا من تعزيز حرية التجارة وحركة البشر (إلى حد ما)، بينما الذكاء الاصطناعي قد يتطلب تقييد حركة البشر أو على الأقل المجموعات المؤثرة مثل المهندسين والفنيين والعلماء، وربما يتطلب أيضا تقليص بعض قطاعات التبادل التجاري تحت ذريعة حساسيتها الأمنية والعسكرية.
العولمة تتطلب تخفيف قيود الدولة على الشركات، أما الذكاء الاصطناعي وبسبب تعلقه بقضايا حساسة في مجال الأمن القومي قد يدفع بعض الدول إلى تقييد حركة الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
هذا التطور قد يصنع أوضاعا تدفع البلدان، التي تحتكر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى حرمان الآخرين منها، والذين سيكون من الصعب عليهم الحصول عليها.
ويعتقد عدد من الخبراء أن الحكمة أن تبدأ الاقتصادات الناشئة خاصة الثرية منها بالاستثمار وبكثافة في مجال الذكاء الاصطناعي، فعلى الرغم مما تحقق في هذا المجال خلال الأعوام الأخيرة، فإن المسار لا يزال في أوله، وكلما تأخر استثمار الاقتصادات الناشئة فيه أو لم ترصد أموال كافية لدعم الذكاء الاصطناعي، كانت فرصها المستقبلية أضعف وأقل قوة في ظل ما يرجح بأن الدول المتقدمة ستفرض قيودا على عمليات تصدير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للآخرين.

الذكاء الاصطناعي .. قدرة تنبؤية باتجاهات التجارة الدولية وإدارة أعلى للمخاطر

close


اشترك ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

المصدر
صحيفة الاقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى