بين خيال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
تريسي ماكميلان كوتوم
أنا لست من مناهضي التكنولوجيا الحديثة، وذلك تحديداً لأنني أستخدم التكنولوجيا الحديثة التي أعلم أنها معتدلة حين أراها. نادرًا ما يمثل الأكاديميون نموذجًا للعاملين المثاليين، لكن تمثل ثورة التكنولوجيا الوسطى المعتدلة استثناء. لقد جاءت أولاً من أجلنا، بل وبعضها جاء بفضلنا، إنها اختراعات أكاديمية مثيرة وعلوم بحثية يمكنها الإسهام بشكل إيجابي في المجتمع. مع ذلك ما نراه في الدوائر الأكاديمية هو أن حالات استخدام الذكاء الاصطناعي في كل مجالات العمل والحياة بدأت تتخذ منحى سخيفًا وسريعًا. لا يستخدم أكثرنا الذكاء الاصطناعي لإنقاذ حياة البشر وجعل الحياة أفضل، بل نستخدمه لإحداث تحسينات معتدلة، مثل زيادة رسائل البريد الإلكتروني. حتى أكثر الأوراق العلمية تحمسًا لقدرة الذكاء الاصطناعي على زيادة القيام بأعمال الموظفين الإدارية حاولت جاهدة تقديم ما هو أكثر إثارة للاهتمام من مجرد “القول إن موجزًا استغرق يومين لكتابته يستغرق حاليًا ساعتين فقط”.
الذكاء الاصطناعي من ضمن وسائل تكنولوجية كثيرة تعد بإحداث تحول من خلال التكرار لا العرقلة. وتعهدت عمليات التحويل إلى العمل الذاتي الآلي في المجال الاستهلاكي يومًا ما بتوفير تجارب فحص وتدقيق محكمة تمكّن العملاء من تعبئة مواد البقالة. وتبين أن تحويل تلك العملية إلى عملية ذاتية يقع ضمن عمليات التكنولوجيا الوسطى، حيث لا يزال أداء موظفي الخزينة أفضل في إدارة نقاط البيع. كذلك تعهدت عملية التعرف على الوجوه باستخدام الذكاء الاصطناعي بتوفير طريقة أسرع وأكثر سلاسة في التحقق من هوية الأشخاص في أماكن مثل المطارات. مع ذلك لم يُحدث تبني إدارة أمن النقل لتلك التكنولوجيا أي ثورة أو تحول جذري في تجربة المطارات، أو أحدث تحسن في حركة صفوف انتظار الفحص الأمني.
يصف كل من خبيري الاقتصاد دارون أجيمولو وباسكوال ريستريبو تلك الأنواع من التكنولوجيا بأنها إخفاقات وخيبات أمل. إنها تغير بعض الوظائف، وتكون جذابة لبعض الوقت، لكنَّها في النهاية تصبح مثل ضوضاء في الخلفية، أو مزعجة بشكل مباشر مثلاً عند تعبئة بضائع بقالة تكفي لأسبوعين.
الذكاء الاصطناعي أكثر ثورية من عملية التحول إلى العمل الآلي. يعدنا مليارديرات التكنولوجيا بالتخلي عن العاملين الذين لا يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي. ويعد السياسيون بوضع سياسات تطلق العنان لقوة الذكاء الاصطناعي للقيام بأمور رغم عدم تيقن الكثيرين من ماهية تلك الأمور.
أما بقيتنا فيستخدمون هذه التكنولوجيا لأغراض بسيطة عملية. بطبيعة الحال، يمكن للذكاء الاصطناعي إنقاذ حياة كثير من البشر في حال تطبيقه بشكل مناسب. صحيح أنه مفيد لإنتاج بروتوكولات طبية وأنماط رصد في فحوص الأشعة. مع ذلك يتطلب هذا النوع من الذكاء الاصطناعي أناسًا يعرفون كيفية استخدامه.
إن هذا من أكبر أخطار تحفيز التكنولوجيا الوسطى. ذكر مارك كوبان مثالًا يوضح الأمر في منشور حديث على موقع التواصل الاجتماعي “بلوسكاي”. لقد تخيل وجود عالم مزود بالذكاء الاصطناعي، حيث يستخدم عامل “لم يتلقَ أي قدر من التعليم” الذكاء الاصطناعي، في حين لا يستخدمه عامل ماهر. يتعلم العامل الذي يستقل قطارًا يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي طرح الأسئلة الصحيحة، في حين لا يفعل عامل ماهر ذلك. سيكون الأول في كثير من الأحوال، بحسب تحليل كوبان، الموظف الأكثر إنتاجية.
تكمن المشكلة في أن طرح الأسئلة الصحيحة يتطلب عكس عدم تلقي أي تعليم. لا يمكنك تعلم كيفية استخدام أمر في برنامج دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي دون التمتع بالخبرة، وبالطبع مستوى تعليم يمكّنك من معرفة ما تقوم به. ويوضح الواقع والعلم أن التعلم عملية تطور بشري تتسم بالفوضى وعدم السير في اتجاه خطي ومقاومة للفاعلية. لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل ذلك.
مع ذلك فالذكاء الاصطناعي مثل كائن طفيلي، إذ يلتصق بنظام بيئي قوي للتعلم، ويسرع بعض أجزاء عملية اتخاذ القرار. يمكن للكائن الطفيلي والمضيف التعايش، ما دام أن الكائن الطفيلي لا يجعل المضيف يتضور جوعًا. المشكلة السياسية في التحفيز الذي يقوم به الذكاء الاصطناعي هي أنه يؤدي إلى تضور المضيف جوعًا، حيث يؤدي إلى قلة عدد المعلمين، والشهادات، والعاملين، وبيئات المعلومات الطبية.
رغم سمعتنا، يرحب أكثر الأكاديميين الذين أعرفهم بأي شيء يساعدنا على القيام بوظيفتنا. لقد رحبنا في البداية بالذكاء الاصطناعي وفتحنا له أذرعنا، ثم بدا أن الذكاء الاصطناعي قد تسبب في مشاكل أكثر مما ساعد في حل مشاكل. كانت المشكلة الكبرى بالنسبة لنا هي الغش. كل يوم يوضح لي إعلان على الإنترنت طريقة يمكن للذكاء الاصطناعي بها توقع محاضرتي، وكتابة نص لها في حين يقوم الطالب بأمور غير الإنصات، والتعليق على المحاضرة، وتوقع علامات المقالات، وأسئلة البحث، وأسئلة الاختبارات، ثم في النهاية كتابة ورقة بحثية مخصصة. كيف يمكن للأساتذة التفوق على آلة توقع تولد بطريقة متسارعة؟ كيف يمكننا ترسيخ قيم أكاديمية مثل تقبل المخاطرة، والقراءة العميقة والأمانة، في حين أن تجنب ذلك سهل وزهيد الثمن.
إن خيال هذه التكنولوجيا في حالة أفول. نعلم جميعاً أن الأمر لن ينجح، لكن يخضع ذلك الخيال الجامعات المناهضة للمخاطر، ويثير حماسة المضاربين الماليين، لأنه يعد بتوفير قوة السيطرة على ما يفعله التعلم دون دفع تكلفة عملية التعلم الحقيقية.
المصدر: الشرق الأوسط