الذكاء الاصطناعي.. استثمارات متنامية

31

محمد كركوتي

في زحمة سيل لا يتوقف من التحذيرات من الأخطار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، لا تتوقف الأموال التي تضخ في هذا الميدان، الذي يشهد موجات كبيرة من النمو. وبعيدًا عن المخاوف سواء تلك التي تشمل الأمن وروابطه، أو ما يتعلق بالوظائف البشرية المهددة من هذا الذكاء، يمضي مسار الاستثمارات فيه بسرعة هائلة، حتى إن أسهم الشركات الحاضنة لهذه التقنية المتطورة، تتصدر المشهد في كثير من الأسواق، ما رفع حجم الأموال التي تضخ فيها. وفي حين تتباطأ استثمارات ما يعرف برأس المال الجريء على الساحة العالمية، تزداد وتيرة الاستثمار في الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المواد الدقيقة المستخدمة في عملية الإنتاج والبرمجة والأداء أيضًا.

في الأعوام الخمسة الماضية ارتفع الاستثمار في هذا الميدان بنسبة 70 %. وجمعت شركاته أكثر من 50 مليار دولار. وتدل المؤشرات على أن النمو في هذا القطاع سيتواصل بزخم أكبر وقوة هائلة طوال العقد الحالي، ما يعزز تلقائيا أوضاع الشركات المختصة، ويفرز مزيدا من المؤسسات الجديدة، خصوصا في ظل توجه عام في كل البلدان المتقدمة نحو تحقيق خطوات عملية في السباق الراهن. فالمخاوف وحتى الانتقادات لجانب من هذا القطاع، قد تكون أداة معطلة في سبيل تحقيق تنافسية عالية. ويبدو واضحا أن الأموال التي تضخ، لا تزال أكبر في الشركات التي تعد أكثر رسوخا، رغم أن “المال الجريء” بات يدخل بقوة لافتة إلى الشركات الناشئة، بصرف النظر عن أحجامها.

لا شك أن الجانب المتعلق بالوظائف ما زال يقلق المشرعين حول العالم، خصوصا أنهم يكافحون في خفض معدلات البطالة، لا سيما في الأعوام الثلاثة الماضية، التي شهدت ضغوطا كبيرة على العمالة. إلا أن ذلك لا يمكن أن يوقف المد الهائل للذكاء الاصطناعي. لماذا؟ لأنه صار بالفعل جزءا من الحراك العام سواء بصيغه المباشرة أو غير المباشرة. في الاقتصادات المتقدمة بلغت نسبة الوظائف المتأثرة بالذكاء الاصطناعي 60 %. لكن هناك نقطة مهمة، هي أن نصف هذه الوظائف المتأثرة يمكن أن تكون جزءا من القطاع ذاته. ورغم هذه السلبية إلا أن التقنية المتطورة المشار إليها تخدم عمليا كل القطاعات من التصنيع إلى الرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، والطاقة المستدامة ومشاريع الزراعة الذكية والتعليم وغيرها.

الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ستمضي قدما وبقوة، والصناديق الاستثمارية جاهزة بالفعل لمواصلة حراكها بهذا الخصوص. ومن هنا لا بد من التعاطي مع هذا القطاع، كمحرك ضروري، حتى لو أنه أثر سلبا في 40 % من الوظائف على مستوى العالم. في ثلاث سنوات تضاعفت قيمة هذه الصناعة لتصل إلى 204 مليارات دولار، بينما بلغ عدد المستخدمين حول العالم لها إلى ربع مليار شخص.

من هنا يمكن أن نفهم ما قاله صندوق النقد الدولي، بضرورة التأكد من المنافع الإنسانية للذكاء الاصطناعي. فهذا الأخير سيحل في النهاية مكان نسبة كبيرة من الوظائف، في حين أن نسبة كبيرة أخرى منها سيكملها هذا الذكاء. إنها عملية إحلال ليست متشعبة كثيرا، إلا أنها ستترك بلا شك مرارة عند البعض. وقد حدث ذلك في السابق، عندما حلت الآلة مكان الإنسان في الصناعة والإنتاج، وقتها رفضت شرائح متعددة من المجتمعات غزو الآلة ومحاربتها للإنسان، إلا أن ضرورات التطور التقني كانت هي السائدة في ذلك السجال الذي سرعان ما انتهى. وسيحدث ذلك في حالة الذكاء الاصطناعي. ما سيتم رفضه اليوم، سيقبل بلا شك في الغد.

المصدر: الاقتصادية

اترك رد

Your email address will not be published.