AI بالعربي – متابعات
لم يعد البحث عن اسمك عبر “جوجل” كافيًا لمعرفة مدى حضورك الرقمي. فمع صعود نماذج الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة، ظهرت طريقة جديدة لقياس هذا الحضور. هذه الطريقة لا تبحث في الويب، بل تفتش داخل معرفة النماذج نفسها.
ويقدم موقع “In the Weights” تجربة مختلفة في هذا المجال. فهو يحاول معرفة ما إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي تعرف شخصًا معينًا. كما يرصد مدى دقة هذه المعرفة، ويكشف المعلومات الخاطئة التي قد تنتجها النماذج.
وأطلق توماس ديمسون وجوي فلين الموقع بعد مغادرتهما شركة “OpenAI”. وكان الاثنان قد انضما إلى الشركة عقب استحواذها على شركتهما الناشئة “Global Illumination”. وتحول المشروع سريعًا من تجربة ممتعة إلى أداة جذبت اهتمامًا واسعًا.
ما هو موقع “In the Weights”؟
يعمل “In the Weights” كمحرك بحث غير تقليدي. فهو لا يقيس حضور الأشخاص عبر نتائج البحث أو صفحات الأخبار. بل يحاول قياس حضورهم داخل “الأوزان” التي تحمل معرفة نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتشير كلمة “الأوزان” إلى المعاملات الرقمية التي يعتمد عليها النموذج عند توليد الإجابات. وتمثل هذه المعاملات جزءًا أساسيًا من طريقة تخزين المعرفة داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وبحسب فكرة الموقع، فإن وجود اسم شخص داخل معرفة النماذج يعني شيئًا مهمًا. فهو يشير إلى أن بيانات التدريب تضمنت معلومات كافية عنه. كما يعني أن النظام يستطيع استدعاء وصف ما لهذا الشخص دون البحث عبر الإنترنت.
كيف يقيس الموقع معرفة الذكاء الاصطناعي بالأشخاص؟
يعتمد الموقع على استجواب مجموعة واسعة من نماذج الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه النماذج “Grok” و”Gemini” وإصدارات متعددة من “GPT” و”Claude” و”Llama”. كما يستخدم الموقع نماذج أخرى أقل شهرة.
ويطرح الموقع على كل نموذج سؤالًا مباشرًا حول الشخص محل البحث. ويطلب منه تقديم وصف مختصر، مع تحديد مستوى الثقة في الإجابة. وبعد ذلك، يجمع الموقع الأوصاف المتشابهة، ويقارن النتائج بين النماذج المختلفة.
ومن خلال هذه العملية، يحصل الشخص على درجة قوة. وتعكس هذه الدرجة مدى انتشار معرفته داخل النماذج. وكلما زادت النماذج التي تعرف الشخص، ارتفعت الدرجة النهائية.
ماذا تعني درجة الحضور داخل النماذج؟
تمنح درجة الحضور مؤشرًا على مدى معرفة الذكاء الاصطناعي بالشخص. لكنها لا تعني بالضرورة شهرة دقيقة أو قيمة موضوعية كاملة. فقد يعرف النموذج شخصًا بسبب كثافة ظهوره في بيانات التدريب. وقد يخلط بينه وبين أشخاص آخرين يحملون الاسم نفسه.
وفي مثال عرضه التقرير، حصل أحد الصحفيين التقنيين على درجة 641. ووضعته هذه النتيجة ضمن أعلى 6% من الأسماء الموجودة في قاعدة بيانات الموقع. لكن المقارنة مع صحفيين آخرين في المجال التقني أظهرت أن بعضهم حقق درجات أعلى.
ويعرض الموقع أيضًا قائمة متغيرة للأسماء الأكثر حضورًا داخل النماذج. وخلال إعداد التقرير، تصدر الممثل ماكولاي كولكين القائمة بدرجة بلغت 988 نقطة. وجاء قريبًا منه مغني الأوبرا الراحل لوتشيانو بافاروتي.
كيف يرصد الموقع هلاوس الذكاء الاصطناعي؟
لا يكتفي “In the Weights” بعرض الدرجات. بل يكشف أيضًا النماذج التي قدمت معلومات عن كل شخص. كما يوضح الأخطاء أو “الهلوسات” التي قد تظهر في إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتحدث الهلوسة عندما يقدم النموذج معلومة غير دقيقة بثقة واضحة. وقد يخلط النموذج بين أشخاص يحملون أسماء متشابهة. وقد يضيف تفاصيل غير صحيحة إلى السيرة المختصرة.
وفي إحدى الحالات، اعتبر أحد النماذج أن اسم الصحفي أنتوني ها قد يشير إلى عدة أشخاص مختلفين. ويكشف هذا المثال أهمية فحص إجابات الذكاء الاصطناعي بدلًا من التعامل معها كحقائق نهائية.
لماذا لم يعد “جوجل” المقياس الوحيد للحضور الرقمي؟
يرى ديمسون أن محركات البحث التقليدية لم تعد المعيار الوحيد للشهرة الرقمية في عام 2026. فقد أصبح كثير من المستخدمين يعتمدون على نماذج اللغة الكبيرة للحصول على المعلومات. كما باتت روبوتات المحادثة مصدرًا مباشرًا للإجابات والتوصيات.
وفي السابق، كان المستخدم يبحث عن اسمه في “جوجل” لمعرفة مدى ظهوره على الإنترنت. أما الآن، فقد يسأل المستخدم “ChatGPT” أو نموذجًا آخر عن شخص ما. وهنا تصبح معرفة النماذج عاملًا جديدًا في تشكيل الصورة العامة للأفراد.
ويطرح ذلك سؤالًا مهمًا حول الهوية الرقمية. فالشخص قد يكون حاضرًا بقوة في نتائج البحث، لكنه أقل حضورًا داخل النماذج. وقد يحدث العكس أيضًا، خصوصًا إذا ضمت بيانات التدريب معلومات كثيرة عنه.
ما أهمية المشروع في فهم نماذج الذكاء الاصطناعي؟
يقدم “In the Weights” نافذة على طريقة تمثيل الأشخاص داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي. فهو لا يكشف البيانات الخام التي تدربت عليها النماذج. لكنه يقدم مؤشرًا على ما تحتفظ به هذه النماذج من معرفة قابلة للاستدعاء.
وأوضح ديمسون أنه انجذب إلى فكرة عميقة. فحياة وتجارب عدد هائل من الأشخاص أصبحت ممثلة بشكل ما داخل مليارات الأرقام. وهذه الأرقام تشكل ما يشبه “عقل” الذكاء الاصطناعي.
وتبدو الفكرة مثيرة لأنها تربط بين التقنية والهوية. فالموقع لا يسأل فقط عما تعرفه النماذج. بل يسأل أيضًا كيف تعرف، ومتى تخطئ، ولماذا تتعرف إلى بعض الأشخاص أكثر من غيرهم.
ما الجدل حول نتائج “In the Weights”؟
أثار الموقع نقاشًا حول قيمة النتائج التي يقدمها. فالبعض يرى أنه يقدم لمحة مهمة عن حضور الأشخاص داخل النماذج. كما يعتبرونه أداة مفيدة لكشف الهلاوس والتحيزات المعرفية.
في المقابل، يرى آخرون أن الموقع لا يتجاوز كونه طريقة متطورة لسؤال مجموعة من روبوتات الدردشة عن الأشخاص. لذلك لا يجب التعامل مع درجاته كقياس نهائي للشهرة أو التأثير.
ومع ذلك، يظل الموقع مهمًا لأنه يفتح نقاشًا جديدًا. فمع زيادة اعتماد المستخدمين على الذكاء الاصطناعي، تصبح معرفة النماذج بالأشخاص جزءًا من حضورهم العام. كما تصبح أخطاء هذه النماذج مؤثرة في صورتهم الرقمية.
ما الخطوة المقبلة للموقع؟
يخطط القائمون على “In the Weights” لتوسيع المشروع خلال الفترة المقبلة. ويريد الفريق دراسة الفروق بين النماذج المختلفة. كما يسعى إلى تحليل التحيزات التي تجعل بعض النماذج أكثر قدرة على التعرف إلى فئات معينة.
ويعمل الفريق أيضًا على اكتشاف شخصيات تستحق امتلاك صفحات على “ويكيبيديا”، لكنها لا تزال غائبة عنها. ويمكن لهذه الخطوة أن تربط بين حضور الأشخاص داخل الذكاء الاصطناعي وحضورهم في المعرفة المفتوحة.
ويبدو أن المشروع سيواصل جذب المهتمين بالتقنية والهوية الرقمية. فالسؤال لم يعد فقط: ماذا يظهر عنك في نتائج البحث؟ بل أصبح أيضًا: ماذا تعرف عنك نماذج الذكاء الاصطناعي؟
وفي النهاية، يعكس “In the Weights” تحولًا أوسع في عصر الذكاء الاصطناعي. فالحضور الرقمي لم يعد محصورًا في الروابط والمنصات. بل أصبح جزءًا من معرفة النماذج، ومن الطريقة التي تستدعي بها الآلات أسماء البشر وقصصهم.








