AI بالعربي – متابعات
يفتح الذكاء الاصطناعي بابًا جديدًا أمام المؤرخين لفهم وثائق غامضة بقيت مغلقة لقرون طويلة. وتضم هذه الوثائق رسائل حب، ومؤامرات سياسية، ووصفات طبية، ونصوصًا سرية من العصور الوسطى. وقد عجز الباحثون سنوات طويلة عن قراءة هذه المواد بسبب الرموز المعقدة، وتلف بعض الصفحات، واختفاء اللغات المستخدمة فيها.
وتحتفظ مكتبات وأرشيفات عالمية بعدد كبير من الوثائق المشفرة. وتكشف هذه النصوص جانبًا خفيًا من حياة البشر في الماضي. فهي لا تعرض التاريخ الرسمي فقط، بل تقترب من الأسرار الشخصية، والصراعات السياسية، والممارسات الطبية، والطقوس التي أراد أصحابها إخفاءها عن الآخرين.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فك الرموز القديمة؟
يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين على اكتشاف الأنماط داخل النصوص الغامضة. ويقارن بين الرموز المتكررة، وترتيبها، واحتمالات ارتباطها بحروف أو كلمات معروفة. كما يمنح المؤرخين أدوات أسرع لتحليل نصوص كانت تحتاج سنوات من العمل اليدوي.
ولا يعمل الذكاء الاصطناعي وحده في هذه المهمة. فهو يقدم اقتراحات وتحليلات، بينما يراجعها الباحثون لغويًا وتاريخيًا. وبهذا يصبح دوره قريبًا من مساعد ذكي يسرّع البحث، لكنه لا يلغي دور الخبرة البشرية.
“شفرة بورغ” تعود إلى الواجهة بعد أربعة قرون
من أبرز الأمثلة على ذلك مخطوط غامض محفوظ داخل أرشيف مكتبة الفاتيكان. ويُعرف هذا المخطوط باسم “شفرة بورغ”، وقد ظل غير مفهوم لأكثر من 400 عام. ويضم المخطوط 408 صفحات مكتوبة بخط اليد، ويحتوي معظمها على رموز غريبة ومعقدة.
ويشير نص موجود على غلاف المخطوط إلى أنه يتضمن وصفات علاجية مرتبطة “بأمراض الجسد البشري”. وكانت هذه الممارسات الطبية تحمل طابعًا سريًا في زمنها. فقد كان بعض الناس ينظرون إليها بريبة، وربما ربطوها بالسحر أو الطقوس المحظورة.
34 رمزًا غامضًا وصفحة عربية في بداية المخطوط
تحتوي “شفرة بورغ” على نظام تشفير معقد. ويعتمد النص على 34 رمزًا غامضًا، إلى جانب عدد محدود من الحروف الرومانية. كما تضم الصفحة الأولى كتابة باللغة العربية، ما زاد الغموض حول أصل المخطوط وطريقة استخدامه.
وتعرضت بعض صفحات المخطوط للتلف مع مرور الزمن. وأدى ذلك إلى صعوبة إضافية في قراءة الرموز. فالباحثون لم يواجهوا شيفرة غامضة فقط، بل واجهوا نصًا ناقصًا ومتضررًا أيضًا.
وصفات طبية غريبة تكشفها الخوارزميات
تمكن الباحثون، بمساعدة التعلم الآلي، من فهم أجزاء مهمة من النص المشفر. وكشفت النتائج أن المخطوط يحتوي على آلاف الوصفات العلاجية الغريبة. وتضمنت بعض هذه الوصفات استخدام النبيذ الأحمر الفاخر، أو تخمير جوزة الطيب داخل العجين لمقاومة الزحار.
وتعكس هذه الوصفات طريقة تفكير طبية مختلفة عن المفاهيم الحديثة. لكنها تمنح المؤرخين فرصة لفهم علاقة الناس بالمرض والعلاج في تلك الفترة. كما تكشف كيف حاول الأطباء والمعالجون حماية معارفهم داخل نصوص مشفرة.
عمل تحقيقي بين اللغة والتاريخ
وصفت بياتا ميغيشي، أستاذة اللسانيات الحاسوبية في جامعة ستوكهولم، عملية فك الشفرات بأنها تشبه العمل التحقيقي. فكل رمز، وكل نمط متكرر، وكل حل جزئي، قد يفتح بابًا نحو عالم تاريخي مفقود.
وتشارك ميغيشي ضمن فريق بحثي يعمل على تطوير أدوات ذكاء اصطناعي لفهم الرموز التاريخية. وتهدف هذه الجهود إلى جعل عملية فك الشفرات أسرع وأكثر دقة. كما تسعى إلى إتاحة مواد تاريخية ظلت بعيدة عن فهم الباحثين لسنوات طويلة.
لماذا كانت النصوص القديمة تُشفّر؟
استخدم البشر التشفير لحماية معلومات حساسة. فقد أخفى البعض رسائل سياسية أو عسكرية. واستخدم آخرون الرموز لحماية وصفات طبية أو أسرار مهنية. كما لجأ إليها بعض العشاق لإخفاء مراسلاتهم عن أعين المجتمع.
وتحمل الوثائق المشفرة أحيانًا تفاصيل عن الحياة اليومية. فقد تضم وصفات طعام، أو ملاحظات شخصية، أو رسائل عائلية. ولهذا لا تكشف الشفرات تاريخ الملوك فقط، بل تكشف حياة الناس العاديين أيضًا.
واحد في المئة من الأرشيفات قد يكون مشفرًا
تشير تقديرات بحثية إلى أن نحو واحد في المئة من المواد المحفوظة في الأرشيفات والمكتبات حول العالم قد يكون مشفرًا كليًا أو جزئيًا. وقد يبدو الرقم صغيرًا، لكنه يمثل كمية ضخمة من الوثائق غير المقروءة.
وتضم هذه المواد نصوصًا تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. ويعود بعض أقدم أنظمة التشفير إلى الحضارتين اليونانية والرومانية. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في إعادة قراءة مساحات واسعة من التاريخ القديم.








