AI بالعربي – متابعات
يفتح الذكاء الاصطناعي بابًا جديدًا في مواجهة سرطان البنكرياس، أحد أخطر أنواع السرطان وأكثرها صعوبة في الاكتشاف المبكر. وكشفت دراسة حديثة أن نموذجًا طورته عيادة “مايو كلينك” يستطيع رصد مؤشرات دقيقة للمرض قبل ظهوره الواضح في الصور الطبية بمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات.
ويمنح هذا التطور الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر، وهو ما قد يرفع فرص العلاج ويزيد احتمالات النجاة. ويعد الكشف المبكر العامل الأهم في التعامل مع سرطان البنكرياس، لأن معظم الحالات تُكتشف بعد انتشار المرض إلى مراحل متقدمة.
ونشرت نتائج الدراسة في دورية “Gut” الطبية خلال الأسبوع الماضي. وأظهرت البيانات أن النموذج حلل فحوص الأشعة المقطعية لمرضى لم يكن لديهم تشخيص سابق. ثم تبين لاحقًا إصابتهم بسرطان البنكرياس.
واستطاع النظام الذكي التعرف على تغيرات دقيقة في البنكرياس، لم يلاحظها الأطباء عند قراءة الصور سابقًا. ويجري حاليًا اختبار النموذج ضمن تجربة سريرية لقياس كفاءته في الاستخدام الطبي اليومي.
ويصنف سرطان البنكرياس بين أكثر السرطانات فتكًا. وغالبًا لا تظهر أعراضه في المراحل الأولى. لذلك يصل كثير من المرضى إلى الطبيب بعد تقدم الحالة. ويجعل ذلك العلاج أكثر صعوبة وأقل فاعلية.
وتشير التقديرات إلى أن معدل البقاء لخمس سنوات يبلغ نحو 13% فقط. كما يتوقع خبراء الصحة أن يصبح المرض ثاني أكثر أسباب وفيات السرطان بحلول عام 2030.
وتوضح الإحصاءات أن نحو 80% من المرضى يحصلون على التشخيص بعد وصول السرطان إلى مرحلة متقدمة. ويعود ذلك إلى غياب برامج فحص روتينية للأشخاص الأصحاء، إضافة إلى موقع البنكرياس العميق داخل البطن.
ولا يستطيع الأطباء فحص البنكرياس بسهولة عبر الفحص السريري التقليدي. كما أن الأعراض المعتادة، مثل ألم البطن أو فقدان الوزن، تظهر غالبًا بعد انتشار المرض.
واعتمد فريق “مايو كلينك” على تدريب النموذج باستخدام آلاف صور الأشعة المقطعية. وشملت البيانات مرضى أجروا الفحوص لأسباب صحية أخرى، ثم أصيبوا لاحقًا بسرطان البنكرياس.
وبعد ذلك، قارن الباحثون بين أداء النموذج وأداء اختصاصيي الأشعة. وأظهرت النتائج أن الذكاء الاصطناعي كان أكثر دقة بثلاث مرات في اكتشاف العلامات المبكرة للمرض.
وفي بعض الحالات، بدت الصور طبيعية تمامًا قبل التشخيص بستة أشهر فقط. ويؤكد ذلك مدى صعوبة رصد المرض في بداياته حتى لدى الخبراء.
وقال الدكتور أجيت غوينكا، اختصاصي الأشعة في “مايو كلينك”، إن النموذج تمكن من رصد أنماط خلوية غير طبيعية داخل البنكرياس. وتساعد هذه الأنماط الخلايا السرطانية على الهروب من جهاز المناعة.
وأضاف أن العلماء يعرفون هذه الظاهرة بيولوجيًا منذ سنوات، لكن اكتشافها عبر التصوير الطبي ظل تحديًا كبيرًا. ويبرز هنا دور الذكاء الاصطناعي في قراءة تفاصيل لا تراها العين بسهولة.
ويرى الباحثون أن هذا التطور قد يفيد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة. ويشمل ذلك من لديهم تاريخ عائلي مع المرض، أو المصابين بالسكري، أو أصحاب عوامل الخطر المرتفعة.
وعند ظهور إشارات مقلقة، قد يوصي الأطباء بفحوص دم إضافية أو تصوير أكثر دقة. ويساعد ذلك في اتخاذ قرارات أسرع قبل تقدم المرض.
كما يرى أطباء مستقلون أن كشف السرطان قبل انتشاره قد يرفع عدد المرضى المؤهلين للجراحة. وقد يزيد أيضًا فرص الاستفادة من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي في وقت مبكر.
ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن الطريق ما زال طويلًا. فالتجربة السريرية الحالية تحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات، حتى يتأكد الأطباء من دقة النموذج وفاعليته الواقعية.
ويحذر الخبراء من الإفراط في التفاؤل قبل انتهاء الاختبارات. لكنهم يعتبرون ما تحقق خطوة مهمة في معركة طويلة ضد مرض ظل صامتًا لعقود.
ويعكس هذا الإنجاز كيف يغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الطب الحديث. فبدل انتظار ظهور الأعراض، يمكن للأنظمة الذكية البحث عن الإشارات المبكرة، ومنح المرضى فرصة أفضل للحياة.








