AI بالعربي – متابعات
تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الأميركية مع تسارع تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، بعدما حذّر بنك “جولدمان ساكس” من احتمال ارتفاع معدلات البطالة خلال العام الجاري، نتيجة التحولات المتسارعة التي تشهدها قطاعات الأعمال التقليدية.
ويرى محللون أن موجة الأتمتة الحالية لم تعد مجرد تحديث تقني، بل تحوّل اقتصادي شامل يعيد تعريف طبيعة الوظائف، ويغيّر العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا داخل سوق العمل.
الذكاء الاصطناعي يضغط على الوظائف التقليدية
تشير تقديرات اقتصاديي “جولدمان ساكس” إلى أن التكنولوجيا تسببت في فقدان صافٍ يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف وظيفة شهريًا خلال العام الماضي، في الصناعات الأكثر عرضة للأتمتة.
كما مثّلت عمليات التحول التقني نحو الذكاء الاصطناعي نحو سبعة في المئة من إجمالي خطط تسريح العمال التي أعلنتها الشركات خلال شهر يناير، وهو مؤشر يعكس تسارع تأثير التقنية على التوظيف الفعلي.
إعادة هيكلة الشركات الكبرى نحو الأتمتة
بدأت شركات عالمية تنفيذ خطط إعادة هيكلة واسعة، مع توجيه استثماراتها إلى الحلول الذكية وتقنيات الأتمتة بدلاً من التوسع في التوظيف التقليدي.
أعلنت شركة “أوتوديسك” خفض نحو سبعة في المئة من قوتها العاملة عالميًا، أي ما يقارب ألف وظيفة، مع تحويل الإنفاق نحو منصاتها السحابية ومبادرات الذكاء الاصطناعي.
كما كشفت “بريتيش أميركان توباكو” عن برنامج إنتاجية جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويتوقع أن يؤدي إلى تقليص وظائف ضمن عملية التحول الرقمي.
وفي قطاع الصناعات الثقيلة، أعلنت شركة “داو” إلغاء نحو أربعة آلاف وخمسمئة وظيفة، ضمن خطة لتبسيط العمليات باستخدام الأتمتة والحلول الذكية.
التكنولوجيا تغيّر استراتيجية شركات التقنية
أكدت شركة “إتش بي” أنها تخطط لخفض ما بين أربعة آلاف وستة آلاف وظيفة عالميًا بحلول عام 2028، في إطار استراتيجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتبسيط العمليات التشغيلية.
وأفادت تقارير بأن شركة التجارة الإلكترونية “ميركادوليبر” سرّحت عددًا من الموظفين بالتزامن مع توسيع استخدام الأنظمة الذكية داخل عملياتها الرقمية.
كما خفّضت شركة “ميتا بلاتفورمز” أكثر من ألف وظيفة في وحدة “رياليتي لابس”، بعد تحويل تركيزها من الميتافيرس إلى تطوير أجهزة وتقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وأعلنت الشركة أيضًا تقليص مئات الوظائف ضمن مختبرات “الذكاء الفائق”، في خطوة تعكس تغير أولويات الاستثمار التقني عالميًا.
الأتمتة تمتد إلى قطاعات التجزئة والصناعة
لم تقتصر التحولات على قطاع التكنولوجيا فقط، بل امتدت إلى شركات الملابس والصناعات الاستهلاكية.
سرّحت “نايكي” مئات الموظفين ضمن خطة تهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية وتسريع الاعتماد على الأتمتة.
كما أعلنت منصة “بينترست” خفض ما يصل إلى خمسة عشر في المئة من قوتها العاملة، لإعادة توجيه الموارد نحو تطوير المنتجات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وفي أوروبا، كشفت شركة “إس إي بي” الفرنسية عن خطة إعادة هيكلة قد تؤثر على أكثر من ألفي وظيفة عالميًا بحلول عام 2027، مع دمج شامل لقدرات الذكاء الاصطناعي في عملياتها.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف سوق الاتصالات والبرمجيات
أعلنت شركة الاتصالات الأسترالية “تلسترا” خططًا لخفض مئات الوظائف ضمن برنامج إعادة هيكلة يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع شركة “إنفوسيس”.
كما كشفت شركة البرمجيات “وايز تك” عن إلغاء نحو ألفي وظيفة عالميًا، أي ما يقارب ثلث قوتها العاملة، بهدف دمج الأنظمة الذكية داخل منتجاتها وخدماتها التشغيلية.
لماذا يثير الذكاء الاصطناعي القلق الاقتصادي؟
يرى اقتصاديون أن الذكاء الاصطناعي يحقق مكاسب إنتاجية كبيرة، لكنه يخلق في الوقت نفسه فجوة انتقالية في سوق العمل.
الشركات تبحث عن الكفاءة وتقليل التكاليف، بينما يحتاج العمال إلى مهارات جديدة تتناسب مع الاقتصاد الرقمي.
هذا التحول السريع يجعل بعض الوظائف تختفي قبل ظهور وظائف بديلة كافية، وهو ما يعزز مخاوف البطالة قصيرة المدى.
هل يقضي الذكاء الاصطناعي على الوظائف فعلًا؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بالكامل، بل يعيد توزيعها.
الوظائف الروتينية والمتكررة تواجه خطرًا أكبر، بينما ترتفع الحاجة إلى وظائف تحليل البيانات، والهندسة البرمجية، وإدارة الأنظمة الذكية.
وتؤكد تجارب شركات التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي يعمل غالبًا كمضاعف للإنتاجية وليس بديلًا مطلقًا للإنسان.
مستقبل سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
يتوقع خبراء الاقتصاد أن يشهد سوق العمل مرحلة انتقالية تمتد لعدة سنوات، تتداخل خلالها موجات تسريح العمال مع ظهور وظائف جديدة.
تعتمد النتيجة النهائية على سرعة تدريب القوى العاملة، واستجابة الحكومات عبر سياسات التعليم وإعادة التأهيل المهني.
ومع توسع استخدام تقنيات مثل ChatGPT وأنظمة OpenAI والمنصات الذكية التي تطورها شركات مثل جوجل، يصبح السؤال الرئيسي ليس هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف، بل كيف يمكن إدارة هذا التحول اقتصاديًا واجتماعيًا.
خلاصة المشهد الاقتصادي
تعكس قرارات الشركات العالمية اتجاهًا واضحًا نحو اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي، حيث تتحول الاستثمارات من العمالة التقليدية إلى البنية الرقمية المتقدمة.
وبينما تراهن الشركات على مكاسب الإنتاجية طويلة الأجل، يبقى التحدي الأكبر هو حماية الاستقرار الوظيفي وضمان انتقال عادل نحو مستقبل العمل الذكي.








