الصين تعيد تعريف الذكاء الاصطناعي من سباق تقني إلى مشروع حوكمة ومجتمع

AI بالعربي – متابعات

تطرح الصين مقاربة مختلفة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، لا تنطلق من سؤال التفوق التقني فقط، بل من سؤال أوسع يتعلق بكيفية توظيف هذه التقنية داخل المجتمع والدولة. هذا التحول يكشف اختلافًا عميقًا بين بكين والغرب في فهم وظيفة الذكاء الاصطناعي، وحدود السوق، ودور الحكومة في توجيه الابتكار.

من سؤال “من يفوز؟” إلى سؤال “كيف يُستخدم؟”

بينما يتركز الجدل الغربي على سباق النماذج الكبرى، وقدرتها على الاقتراب من الإدراك البشري، تتجه الصين إلى إعادة تعريف المسار نفسه. فالمقاربة الصينية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد منتج تنافسي في السوق، بل باعتباره جزءًا من البنية الوطنية ومكونًا من مكونات القوة المؤسسية للدولة.

هذا الفارق لا يعكس اختلافًا تقنيًا فقط، بل يعكس اختلافًا في الفلسفة السياسية والاقتصادية، بين نموذج يمنح السوق دور القيادة، ونموذج يمنح الدولة دور التنسيق والتوجيه.

الخطاب الغربي ولغة السباق

يرى الطرح الغربي، خصوصًا في الولايات المتحدة، الذكاء الاصطناعي من خلال مفردات المنافسة والاختراق والتفوق. وهي لغة تعكس تصورًا يقوم على دفع الابتكار إلى أقصى حد، مع ترك الشركات الخاصة تقود المسار، بينما يظل الدور الحكومي داعمًا للبحث العلمي ومهيئًا للبيئة التنظيمية.

هذه المقاربة تضع الأولوية لسرعة التطوير، وتراهن على ديناميكيات السوق لتحديد الاتجاهات الفائزة، لكنها لا تمنح الدولة دائمًا الدور المركزي في إعادة تشكيل المجتمع على أساس الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية وطنية في الصين

في المقابل، تتعامل بكين مع الذكاء الاصطناعي باعتباره “قدرة” يجب دمجها داخل القطاعات الحيوية كافة. وتشمل هذه القطاعات اللوجستيات، والرعاية الصحية، والتمويل، وإدارة المدن، والخدمات العامة.

ضمن هذا التصور، لا يقتصر الاستثمار على النماذج والتطبيقات، بل يمتد إلى البنية الأساسية التي تسمح بتوسيع النشر لاحقًا بتكلفة أقل. لذلك تستثمر الصين في مراكز البيانات، وشبكات الاتصال عالية السرعة، وأنظمة الإنترنت الصناعي، وشبكات الطاقة، ومعايير التشغيل البيني.

هذا النهج يرفع الكلفة الرأسمالية في البداية، لكنه يخفض الكلفة الحدّية لتطبيق الأنظمة الذكية لاحقًا، ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الإنتاجية على نطاق واسع.

الأتمتة كاستجابة للتحدي الديموغرافي

تربط الصين بين الذكاء الاصطناعي والتحديات السكانية طويلة المدى، خصوصًا تقلص القوى العاملة. لذلك تنظر إلى الأتمتة الصناعية والتصنيع الذكي بوصفهما جزءًا من الاستجابة الاستراتيجية للتحدي الديموغرافي.

وفي هذا السياق، يبرز طموح واضح في سوق الروبوتات البشرية، حيث تسعى بكين إلى موقع متقدم عالميًا في هذا المجال، مع توسيع استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في القطاعات الصناعية والتجارية وحتى المنزلية.

كما يرتبط هذا المسار بهدف أوسع يتمثل في تحقيق ريادة عالمية في الذكاء الاصطناعي بحلول 2050، استنادًا إلى خطة الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي التي أطلقتها الصين عام 2017.

الجذور الفكرية للمقاربة الصينية

لفهم المقاربة الصينية، يظهر البعد الفكري والثقافي بوضوح. فالتقاليد الكونفوشيوسية تعطي أهمية كبيرة للنظام والانسجام وتحديد الأدوار، وتربط قيمة التكنولوجيا بمدى إسهامها في حفظ الاستقرار الاجتماعي.

إلى جانب ذلك، توفر “القانونية” في الفكر الصيني القديم إطارًا يقوم على القواعد الصارمة والتنفيذ والانضباط. ومن هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة توسع قدرة الدولة على الرؤية والضبط، وتجعل التدخل أكثر دقة وقابلية للتوسع.

تنظيم المنصات الكبرى ضمن منطق الدولة

يعكس تعامل الصين مع شركات التكنولوجيا الكبرى هذا المنطق بوضوح. ففي مراحل النمو الأولى، شجعت الدولة الابتكار وجمع البيانات، لكن مع اقتراب بعض المنصات من موقع “البنية التحتية”، تغيرت المعادلة.

هنا تدخلت السلطات عبر أدوات مكافحة الاحتكار، وإعادة الهيكلة، وتشديد الرقابة، لمنع تركز القوة الخاصة خارج التوازن الهرمي للدولة. كما عززت لوائح تنظيم خوارزميات التوصية من قدرة الدولة على قراءة الخوارزميات ومتابعة أثرها.

من الدولة التقليدية إلى “الدولة التنبؤية”

أحد المفاهيم المحورية في هذا الطرح هو مفهوم “الدولة التنبؤية”. الفكرة تقوم على الانتقال من نموذج يتعامل مع الأزمات بعد وقوعها، إلى نموذج يسعى لرصد المؤشرات المبكرة قبل تحولها إلى أزمات.

هذا التصور يحتاج إلى بنية رقمية مترابطة، تشمل الهوية الرقمية، والمدفوعات المدمجة، وشبكات الاستشعار، بحيث يصبح المجتمع أكثر قابلية للحوسبة والتحليل.

وعند تحقق هذا المستوى من التكامل، يصبح التدخل الاستباقي أكثر واقعية، سواء في تخفيف الازدحام، أو رصد المخاطر المالية، أو احتواء الأوبئة قبل اتساعها.

إعادة تنظيم العمل بدلًا من استبدال الإنسان

خلافًا للتركيز الغربي الواسع على سيناريو “استبدال البشر”، تميل المقاربة الصينية إلى التركيز على إعادة تنظيم الوظائف والأدوار. في هذا النموذج، لا تختفي الأدوار البشرية بالكامل، لكنها تتحول نحو الإشراف، وإدارة الاستثناءات، ودعم القرار.

في المصانع، قد ينتقل العامل من التشغيل المباشر إلى مراقبة لوحات التحكم. وفي القطاع الصحي، يستخدم الطبيب أنظمة تشخيص ذكية لدعم قراراته بدلًا من استبعاده من العملية.

لكن هذا المسار يحمل أيضًا كلفة هيكلية محتملة، إذ قد يؤدي ترميز الخبرة في البرمجيات إلى تآكل المعرفة الضمنية، وزيادة الاعتماد على المؤشرات الكمية على حساب الخبرة البشرية المتراكمة.

بين نموذج السوق ونموذج الدولة

في المحصلة، لا يبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيُحسم فقط بمن يملك النموذج الأقوى أو الرقم القياسي الأحدث. الحسم الأعمق يرتبط بكيفية دمج الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات والاقتصاد والحياة اليومية.

بعض الدول ستواصل توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه معززًا للسوق والمبادرة الفردية، بينما ستستخدمه دول أخرى، مثل الصين، أداة للتنسيق، وإدارة المخاطر، وتعزيز قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ.

الذكاء الاصطناعي كمرآة حضارية

تكشف المقاربة الصينية أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة، بل أداة تعكس تصورات المجتمعات عن التقدم، ودور الحكومة، ومعنى الاستقرار والازدهار. ولهذا، فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح نقاشًا حول نماذج الحكم، وفلسفة التنمية، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والدولة والتكنولوجيا.

Related Posts

دراسة تكشف تحيزًا خفيًا فى إجابات الذكاء الاصطناعى حسب هوية المستخدم

AI بالعربي – متابعات تشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن دقة إجابات نماذج الذكاء الاصطناعى قد تتأثر بهوية المستخدم وخلفيته التعليمية واللغوية. وكشفت النتائج أن بعض روبوتات الدردشة قد تقدم…

الذكاء الاصطناعي يهز الأسواق العالمية ويشعل موجة بيع واسعة للأسهم

AI بالعربي – متابعات تشهد الأسواق المالية العالمية حالة اضطراب متسارعة، بعد تصاعد المخاوف من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية. وتحوّلت هذه المخاوف إلى موجة بيع قوية ضربت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

  • نوفمبر 29, 2025
  • 338 views
الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

  • نوفمبر 22, 2025
  • 363 views
الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

  • نوفمبر 10, 2025
  • 476 views
الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

  • نوفمبر 8, 2025
  • 528 views
في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

  • أكتوبر 30, 2025
  • 519 views
“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر

  • أكتوبر 12, 2025
  • 628 views
الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر