AI بالعربي – متابعات
يشهد عالم الأمن السيبراني تحولًا عميقًا مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الإجرامية. لم تعد الهجمات الرقمية تعتمد فقط على مهارات القراصنة، بل أصبحت مدعومة بأدوات ذكية قادرة على التنفيذ السريع والتكرار الواسع. هذا التحول يرفع مستوى التهديد ويجعل الجريمة الرقمية أكثر تنظيماً وانتشارًا.
يحذّر خبراء الأمن من أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة. بل أصبح محركًا رئيسيًا في تطوير أساليب الاحتيال والهندسة الاجتماعية وانتحال الهوية.
نمو غير مسبوق في استخدام الذكاء الاصطناعي إجراميًا
يؤكد دميتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لشركة “Group-IB”، أن المشهد الإجرامي دخل مرحلة مختلفة. يوضح أن الذكاء الاصطناعي أزال ما يسميه “عنق الزجاجة البشري”. في السابق، اعتمدت الهجمات على وقت وجهد بشريين. اليوم تنفذ الأنظمة الذكية تلك المهام فورًا.
تشير بيانات الشركة إلى ارتفاع كبير في مناقشات الذكاء الاصطناعي داخل منتديات الإنترنت المظلم. ارتفعت المنشورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 371% بين 2019 و2025. خلال 2025 فقط، سُجّل أكثر من 23 ألف منشور أساسي ومئات آلاف الردود. هذا الرقم يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من التجربة إلى الاستخدام الإجرامي الفعلي.
من مهارات فردية إلى صناعة رقمية
اعتمدت الجريمة السيبرانية تقليديًا على خبرات متخصصة. احتاج المهاجم إلى مهارة في البرمجة والإقناع والتخطيط. هذه المتطلبات حدّت من سرعة انتشار الهجمات. لكن الأدوات الذكية غيّرت المعادلة.
بات بإمكان مهاجم قليل الخبرة تنفيذ عمليات معقدة. توفر الأدوات الذكية قوالب جاهزة للتصيد وانتحال الهوية. تعمل هذه الأدوات بشكل مستمر دون توقف. هذا التطور حوّل الجريمة من نشاط فردي إلى نشاط قابل للتوسع.
الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية للجريمة
لا يقتصر الخطر على الاستخدام الفردي. أصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية كاملة للجرائم الرقمية. يستخدم المهاجمون أنظمة ذكية لتوليد المحتوى وتحديد الضحايا. كما يعتمدون عليها في الأتمتة وانتحال الشخصيات.
تُباع هذه الأدوات عبر اشتراكات منخفضة التكلفة. عندما تنخفض التكلفة، تختفي حواجز الدخول. هذا الواقع يسمح لعدد أكبر من المجرمين بالعمل. السوق الإجرامي أصبح يشبه سوق البرمجيات السحابية.
الجريمة كخدمة رقمية
يرى فولكوف أن الأسواق الإجرامية تتصرف كشركات تقنية ناشئة. تهتم بسهولة الاستخدام وتجربة العميل. كما تركّز على التوسع والاستمرارية. عندما تصبح الجريمة منتجًا، تصبح أكثر مرونة.
الذكاء الاصطناعي يقدّم مهارات الإقناع والتقليد كخدمة. لا يحتاج المهاجم إلى تطوير قدراته الشخصية. يكفي أن يشترك في خدمة مناسبة. هذه النقلة تزيد حجم الهجمات وتعقيدها في الوقت نفسه.
الهوية الرقمية تصبح قابلة للبرمجة
أخطر التحولات تظهر في الهجمات المعتمدة على الهوية. بات الصوت والوجه والوثائق عناصر قابلة للتصنيع. يمكن بيع هذه الهويات المزيفة بسهولة. عندما تصبح الهوية سلعة، يتحول الاحتيال إلى استغلال للثقة.
يسعى المهاجمون لاختراق أنظمة “اعرف عميلك”. تتيح هذه الأنظمة الوصول للخدمات المالية. وثّقت “Group-IB” آلاف محاولات تجاوز لأنظمة KYC خلال 2025. استخدمت تلك المحاولات تقنيات تزييف عميق.
نجحت إحدى المؤسسات المالية في رصد 8065 محاولة اختراق. اكتشفت لاحقًا آلاف الحسابات الاحتيالية. بعد اعتماد أدوات تحليل استخباراتي، انخفض النشاط الاحتيالي بشكل واضح.
أزمة ثقة في أنظمة التحقق
لم يعد الصوت أو الصورة دليلًا كافيًا على الهوية. صُممت أنظمة التحقق الحالية قبل عصر التزييف العميق. تعتمد كثير من الأنظمة على التحقق البصري. هذا الأسلوب أصبح أقل موثوقية.
يوفّر تحليل السلوك وذكاء الأجهزة دفاعًا أقوى. تكشف هذه الأساليب تناقضات خفية. يصعب على التزييف العميق إخفاء تلك التناقضات. لذلك تتجه المؤسسات إلى حلول متعددة الطبقات.
فجوة تنظيمية يستغلها المهاجمون
لا تواكب التشريعات سرعة التطور التقني. تتحرك القوانين ببطء مقارنة بالتهديدات. كما تختلف الأطر التنظيمية بين الدول. يستغل المهاجمون هذه الفجوات عبر الحدود.
لا يوجد في الشرق الأوسط حتى الآن إطار موحد قائم على تقييم المخاطر. هذا النقص يظهر بوضوح في قضايا انتحال الهوية. يدعو الخبراء إلى تنسيق دولي أكبر. كما يشددون على تحديث القوانين.
الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيات الأمن
يدعو فولكوف إلى تغيير طريقة التفكير. لا يجب التعامل مع الجرائم الذكية كحوادث منفصلة. بل يجب اعتبارها نظامًا مترابطًا. يتطلب ذلك استراتيجيات أمنية جديدة.
يرى الخبراء أن الدفاع القائم على الاستخبارات ضروري. كما أن التعاون الدولي أصبح عاملًا حاسمًا. وضع الذكاء الاصطناعي في صميم الأمن السيبراني لم يعد خيارًا. بل أصبح ضرورة لحماية الثقة الرقمية.
بهذا المشهد، يدخل العالم مرحلة جديدة من المواجهة الرقمية. مرحلة تتطلب وعيًا تقنيًا وتشريعيًا أعلى. كما تتطلب استعدادًا دائمًا لملاحقة تهديدات تتطور بسرعة غير مسبوقة.








