تكرار بلا معنى.. الخوارزمية تُعيد إنتاج الضجيج

AI بالعربي – متابعات

لم يكن العالم في أي وقتٍ مضى مليئًا بهذا القدر من المحتوى، ولا بهذه الدرجة من التكرار. آلاف النصوص، ملايين الصور، وسيلٌ لا يتوقف من المقاطع المتشابهة التي تُغرق شاشاتنا يوميًا. لكن خلف هذا الطوفان يقف كيان واحد غير مرئي: الخوارزمية، التي تدير إيقاع الضجيج، وتعيد إنتاجه بلا توقف.
لقد دخلنا عصرًا لم يعد فيه السؤال: ماذا يُقال؟ بل: من الذي يُعيد قوله أكثر؟

شاشة هاتف تتدفق منها رموز الإعجاب والمشاركة بشكل متكرر بلا توقف.
شاشة هاتف تتدفق منها رموز الإعجاب والمشاركة بشكل متكرر بلا توقف.
ولادة التكرار من رحم الذكاء الاصطناعي

حين صُمّمت الخوارزميات، كان هدفها تنظيم الفوضى وتسهيل الوصول إلى المعلومات. لكنها اليوم صارت منتِجة للفوضى ذاتها، تعيد تدوير المحتوى لتملأ الفراغ الزمني للمستخدمين.
الذكاء الاصطناعي التوليدي، بخاصة النماذج اللغوية الكبرى، لا “يخلق” الأفكار من العدم، بل يُعيد تركيب الموجود بأسلوب جديد.
وحين تتكاثر هذه النماذج عبر ملايين المستخدمين، تظهر نسخة متكررة من العالم: أفكار متشابهة، وجمل شبه موحدة، ومشاعر مصاغة بالنغمة نفسها.

إن الخوارزمية تُنتج الجديد ظاهريًا، لكنها في جوهرها تُعيد إنتاج النسخة المثالية المقبولة من كل شيء — نسخة بلا حواف، بلا زوايا، بلا غرابة، تمامًا كما يريد النظام الذي يغذّيها.

صناعة “الضجيج المريح”

الضجيج في زمن الخوارزميات ليس فوضى، بل نظام دقيق.
تقوم المنصات الرقمية بتوليد محتوى متواصل مصمَّم ليُبقي المستخدم في حالة تفاعل دائم.
فإذا توقفت الخوارزمية عن ضخ المحتوى، يتراجع “الزمن النشط” للمستخدم، وتخسر المنصة أرباحها.
لذلك، أصبح التكرار استراتيجية بقاء اقتصادية — كل منشور يشبه الذي قبله ليضمن النقر والمشاهدة.

تقول الباحثة الأميركية “ليندا كابلان”:

“التكرار في المنصات ليس عيبًا برمجيًا، بل قرار تصميميّ يضمن بقاء الانتباه في مدار مغلق.”

وبهذا، يتحول الإنترنت من فضاء للإبداع إلى آلة ضخّ مستمرة للنسخ المكررة، حيث يصبح الهدف من الكلام هو استمرار الصوت، لا إيصال المعنى.

شاشة هاتف تتدفق منها رموز الإعجاب والمشاركة بشكل متكرر بلا توقف.
شاشة هاتف تتدفق منها رموز الإعجاب والمشاركة بشكل متكرر بلا توقف.
الخوارزمية كصدى جمعي

الذكاء الاصطناعي لا يسمع نفسه، لكنه يكرر ما يسمعه منا.
إنه مرآة المجتمع التي لا تعكس الاختلاف بل تضخّمه في شكل نسخ متطابقة.
كلما نشر أحدهم فكرة أو رأيًا، تبدأ الخوارزمية في نسخها وتوزيعها عبر آلاف الحسابات المتشابهة.
وهكذا تُخلق فقاعات المحتوى التي تُعطي الانطباع بوجود رأي عام، بينما هي في الحقيقة مجرد صدى واحد يتردد في غرف رقمية مغلقة.

الخطورة أن هذا التكرار يصنع الوهم بالاتفاق.
فعندما ترى رأيًا يتكرر مئة مرة في يوم واحد، تبدأ لاشعوريًا في تصديقه.
وهنا يكمن جوهر السيطرة الجديدة: أن تُقنعك الخوارزمية لا بالحجة، بل بالتكرار.

عندما تفقد الكلمة وزنها

الكتابة، التي كانت يومًا فعل تفكير، صارت اليوم فعل نسخ.
النصوص تتشابه في تركيبها، المقالات في عناوينها، والقصص في نبرتها.
حتى المحتوى الإبداعي لم ينجُ من هذا الاستنساخ، إذ صار يُصمم بناءً على أنماط الأداء الأفضل في الخوارزميات، لا بناءً على الأصالة.

الذكاء الاصطناعي يُنتج اللغة كسلعة، واللغة حين تُباع بكثرة تفقد معناها.
وحين يصبح كل شيء قابلاً للتوليد، يصبح اللاشيء هو الناتج الأكثر حضورًا.

يقول الكاتب الإيطالي “إيتالو كالفينو”:

“الكلمة حين تُستخدم أكثر مما ينبغي، تفقد وزنها حتى تصير هواءً.”

وهذا هو ما يحدث الآن في الفضاء الرقمي — تضخم لفظي يقابله خواء معنوي.

اقتصاد الانتباه والتكرار المقصود

الخوارزميات اليوم لا تعمل بالمنطق التحريري، بل بالمنطق التجاري.
إنها تُكافئ المحتوى الذي يثير ردود فعل متكررة، لا الذي يفتح نقاشًا جديدًا.
كلما زادت احتمالات المشاركة أو الإعجاب، زادت فرص ظهور المنشور، حتى وإن كان بلا مضمون حقيقي.

بهذا المعنى، يصبح التكرار نظام إنتاج اقتصادي، لا مجرد صدفة تقنية.
فالمنصات لا تبيع المعرفة، بل تبيع الوقت الذي تمضيه داخلها، وكل ثانية إضافية هي ربح مالي.
وما يُبقيك أطول هو المحتوى الذي لا يُتعبك بالفهم — أي المحتوى البسيط، المتشابه، القابل للهضم دون تفكير.

شاشة هاتف تتدفق منها رموز الإعجاب والمشاركة بشكل متكرر بلا توقف.
شاشة هاتف تتدفق منها رموز الإعجاب والمشاركة بشكل متكرر بلا توقف.
المعرفة المعلّبة وفقدان العمق

لم يعد المستخدم يبحث عن المعلومة، بل عن الإحساس بالاطلاع.
يكفي أن يقرأ ملخصًا مولّدًا أو يشاهد دقيقة من فيديو ذكي ليشعر بأنه فهم الموضوع.
لكن هذا الفهم غالبًا ما يكون سطحيًا، لأن مصدره ذاته مكرر من مئات النصوص السابقة.
هكذا، تتحول المعرفة إلى منتج سريع الهضم — بلا جدل، بلا سؤال، بلا أثر.

إنها مرحلة “المحتوى الوجباتي”، الذي يُستهلك كما يُستهلك الطعام السريع.
ويصبح الخطر الحقيقي ليس في الجهل، بل في وهم المعرفة الناتج عن كثرة المعلومات المتشابهة.

انقراض الصوت الفردي

في قلب كل خوارزمية يكمن معيار واحد: الأكثر قابلية للتكرار.
هذا المعيار يُقصي ما هو فريد أو شخصي أو معقّد.
فالنظام لا يحب الغموض، ولا يكافئ العمق، لأنه لا يمكن قياسهما بسهولة.
لذلك، ينجو المحتوى الذي يطيع القالب الخوارزمي — القصير، المتكرر، القابل لإعادة الاستخدام.

ومع الوقت، تتآكل الأصوات الفردية داخل هذا الضجيج الجمعي.
يختفي الكاتب الحقيقي خلف نسخة شبه مثالية من ذاته المولّدة آليًا، ويتحوّل الجمهور إلى مجتمع من المكررين الذين يعيدون ما قيل لهم بالفعل.

البحث عن المعنى وسط الصدى

هل يمكن مقاومة التكرار؟ ربما.
لكن البداية تكون في إبطاء الإيقاع.
أن نقرأ ببطء، ونكتب ببطء، ونفكر قبل أن نشارك.
أن نعيد الاعتبار للخطأ، للغرابة، للفرادة التي لا تفهمها الخوارزميات.
فالمعنى لا يُولد في التكرار، بل في الفارق.

تقول الكاتبة “ربيكا سولنيت”:

“الضجيج ليس دليلًا على الحياة، بل على غياب الصمت.”

ربما نحتاج اليوم إلى هذا الصمت أكثر من أي وقتٍ مضى — مساحة لا تصل إليها الخوارزميات، حيث يمكن للإنسان أن يسمع نفسه مرة أخرى، بعيدًا عن الصدى الرقمي الذي يغطي كل شيء.

اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي في اللاوعي السياسي.. هندسة القناعات دون شعور

  • Related Posts

    أنواع Machine Learning.. متى تستخدم كل نوع؟

    AIبالعربي – متابعات أنواع Machine Learning تنقسم إلى التعلم الخاضع للإشراف، غير الخاضع للإشراف، شبه الخاضع، والتعلم المعزز، ويُستخدم كل نوع حسب توفر البيانات المعلَّمة وطبيعة المشكلة والهدف المتوقع من…

    ما هو “تعلم الآلة”.. وكيف يختلف عن الذكاء الاصطناعي؟

    AIبالعربي – متابعات تعلم الآلة هو فرع من الذكاء الاصطناعي يتيح للأنظمة الحاسوبية التعلم من البيانات واستخلاص الأنماط واتخاذ قرارات أو تنبؤات دون برمجة صريحة لكل خطوة. يعتمد هذا المجال…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مقالات

    الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

    • نوفمبر 29, 2025
    • 320 views
    الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

    الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

    • نوفمبر 22, 2025
    • 348 views
    الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

    الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

    • نوفمبر 10, 2025
    • 459 views
    الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

    في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

    • نوفمبر 8, 2025
    • 508 views
    في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

    “تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

    • أكتوبر 30, 2025
    • 500 views
    “تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

    الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر

    • أكتوبر 12, 2025
    • 611 views
    الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر