AI بالعربي – متابعات
لم تعد هوليوود تناقش الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتحسين المؤثرات أو تسريع المونتاج، بل كقوة قادرة على إعادة تعريف فكرة “من يصنع المشهد” ومن يملك ملامحه وصوته.
الشرارة جاءت من مقطع خاطف لا يتجاوز 15 ثانية، بدا في البداية كأنه يوثق شجارًا واقعيًا بين توم كروز وبراد بيت، قبل أن يتضح لاحقًا أنه مولّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، لتتوسع دائرة الجدل سريعًا نحو أسئلة أكثر حساسية تتعلق باستنساخ البشر رقميًا وتبعاته المهنية والقانونية والفنية.
الذكاء الاصطناعي يثير القلق في هوليوود
المشهد الذي انتشر على نطاق واسع نُسب إلى المخرج الأيرلندي رواري روبنسون، وقد صُمم عبر النسخة الجديدة من نموذج “سي دانس” التابع لشركة “بايت دانس” الصينية، ولم يعد الحديث بعده محصورًا في جودة المؤثرات أو تطور أدوات المونتاج، بل اتجه مباشرة إلى قدرة التقنية على “استنساخ” البشر بصريًا وصوتيًا، وما يعنيه ذلك لمستقبل الوظائف الإبداعية في السينما.
سطران نصيان بدل فريق إنتاج كامل
اللافت في القصة أن صناعة المقطع لم تتطلب طاقمًا ضخمًا أو ميزانية كبيرة، بل اعتمدت على أوامر نصية قليلة لإخراج نتيجة صادمة في واقعيتها، وهو ما اعتبره مراقبون إعلانًا غير رسمي عن مرحلة جديدة، مرحلة يصبح فيها توليد المشاهد العالية التأثير ممكنًا بأدوات متاحة وبوقت قياسي، وتكلفة لا تقارن بما اعتادته الصناعة طوال عقود.
مخاوف في هوليوود من انتشار الذكاء الاصطناعي
في أجواء القلق التي أعقبت انتشار الفيديو، تداول صناع محتوى ومتابعون تعليقًا لكاتب السيناريو ريت ريس يقول فيه بمرارة “يبدو أن الأمر قد انتهى بالنسبة لنا”، العبارة لم تُقرأ بوصفها مبالغة عاطفية فقط، بل كإشارة إلى شعور متنامٍ بأن الذكاء الاصطناعي قد يضغط بقوة على سوق الكتابة وصناعة الأفكار، لا على الأدوات التقنية وحدها.
الذكاء الاصطناعي يقتحم قلب الإنتاج في هوليوود
وكشف محلل سينمائي في تصريحات إعلامية أن مخاوف هوليوود “في محلها تمامًا”، ويشرح أن الصناعة واجهت في تاريخها تحولات هائلة، من منافسة التلفزيون إلى عصر أشرطة الفيديو ثم منصات البث وصولًا إلى ارتدادات الجائحة، لكن الفارق الآن أن الذكاء الاصطناعي لا يغير وسيلة العرض فقط، بل يلامس قلب سلسلة الإنتاج نفسها.
من مصممي المؤثرات إلى ممثلي المشاهد الخطرة
ويمتد التأثير المتوقع إلى وظائف بعينها داخل المنظومة، مثل تصميم المؤثرات البصرية، وممثلي المشاهد الخطرة، والممثلين الثانويين، وحتى بعض مراحل ما بعد الإنتاج، فالتقنية قادرة على تقليص الحاجة إلى عناصر بشرية كانت تشكل العمود الفقري للأعمال الضخمة، ومع كل قفزة في جودة التوليد يزداد الضغط على سوق العمل الإبداعي.
الحقوق والملكية صدام يتسع أمام الشركات
على مستوى آخر، يتصاعد الجدل حول حقوق الملكية والصورة العامة للنجوم، إذ تتحرك جهات مهنية في هوليوود عادة عندما ترى محاكاة رقمية قد تمس حقوق الأداء أو الشهرة أو الاستخدام التجاري، وفي هذا النوع من النزاعات قد تبحث الشركات الكبرى عن حلول تحمي مصالحها وتعيد توزيع الأدوار، بينما يبقى العامل الفردي أكثر عرضة لدفع الثمن مع أي تغيير مفاجئ في قواعد السوق.
فرصة للشركات وكلفة أكبر على الأفراد
اللافت أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح أيضًا بابًا مغريًا لبعض المنتجين، إذ يسمح بإنتاج محتوى أكثر وبكلفة أقل، وقد يحول ميزانيات كبيرة إلى ميزانيات محدودة، ويجعل تنفيذ أفكار كانت مستحيلة إنتاجيًا أكثر سهولة، غير أن هذه الميزة الاقتصادية تحمل وجهًا آخر، وهو تقليص فرص العمل التقليدية داخل الصناعة، وهو ما يعمق التوتر بين منطق الربح ومنطق حماية المهنة.
القوانين تتأخر عن سرعة التطور التقني
في الخلفية، تتذكر هوليوود أن ملف الذكاء الاصطناعي كان حاضرًا بقوة ضمن مطالب الإضرابات الواسعة عام 2023، لكن الواقع اليوم يشير إلى أن التطور التقني يتقدم بسرعة تفوق قدرة الاتفاقات على ضبط التفاصيل، فالتقنيات تنتشر وتتحسن وتصل إلى نطاق أوسع من المستخدمين، ما يخلق معضلة جديدة تتعلق بالتنفيذ والرقابة وحدود الاستخدام.
هل تفقد السينما روحها أم تعيد تعريفها؟
بعيدًا عن الوظائف والميزانيات، يطرح النقاش بعدًا فنيًا وفلسفيًا، هل تستطيع الخوارزميات صناعة لحظة إنسانية خالدة، أم أنها تعيد تركيب ما تعرفه فقط. يستحضر مثال لحظة سينمائية شهيرة في فيلم “العرّاب” حين تفاعل مارلون براندو بعفوية مع قطة داخل الأستوديو، ويرى أن الارتجال واللمسة الإنسانية تصنع ما لا يمكن برمجته بسهولة، لذلك قد ينحصر التوليد مستقبلًا في الأعمال التجارية البحتة، بينما تحافظ الأفلام الإنسانية والمهرجانية على حضور بشري لا غنى عنه.








