الذكاء الاصطناعي: بين خدمة البشرية أو التفوق عليها

38

حسن إسميك

شهد العالم، خلال الـ 100 عام الأخيرة، تسارعًا شديدًا في التطور التكنولوجي بفضل الدفع بمزيد من الموارد نحو البحث والتطوير وإنتاج المعرفة؛ مما جعل التكنولوجيا بمفهومها العابر للجغرافيا؛ مكونًا أساسيًا في قياس مدى تطور المجتمعات وتقدمها؛ لكن هذا التطور السريع حمل معه في كل مرحلة أسئلة حاسمة ومؤثرة في مسيرة البشرية.

ومع مراقبة موجات التقدم التكنولوجي؛ رأينا إصرار الدول العظمى على تطوير تطبيقات متقدمة جدًا، مثل تطبيق الذكاء الاصطناعي (AI)، وتوظيفها في المجالين: العسكري والأمني؛ ولا يمكن أن ننكر بأن استخدام مثل هذه التقنيات بشكل سلمي؛ انعكس إلى حد كبير على جودة حياة المجتمعات التي تستخدمها.

وغالباً ما يتمحور الحديث، في الأوساط السياسية والعسكرية، حول تراشق التهم بين القوى العالمية مثل: (الولايات المتحدة وروسيا) فيما يتعلق بتنفيذ الهجمات الإلكترونية العالمية، أو فيما يتعلق باحتمالية استهداف مجموعة إرهابية معينة لقاعدة بيانات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؛ من خلال تقنية متطورة. وفي هذا الشأن؛ لا تغيب إيران عن الساحة؛ بحيث أنها تُتهم بتطوير عدد من الهجمات الإلكترونية على عشرات البنوك الأمريكية؛ في المقابل تتهم طهران وزارة الدفاع الأمريكية بشن هجوم إلكتروني في محاولة لتعطيل أنظمة إطلاق الصواريخ فيها؛ لكنني أظن أن المستوى القادم سيكون أشد خطرا؛ خاصة في حال تم توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) في الصراع عبر الفضاء السيبراني.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه السياسيون في البحث في كل تلك الإشكاليات؛ تتجه أنظار العلماء لمناقشة بعض الأخطار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي (AI) على البشرية؛ بحيث تعمل هذه التطبيقات على تطوير نفسها؛ لتحل مكان الكائنات البشرية، ولتأخذ مكانها على المدى المتوسط والبعيد.

وما قبل عام 2000 بثلاث سنوات تقريبا؛ بدأ العالم لأول مرة في ربط تساؤلاته، حول نهاية العالم، بالتكنولوجيا؛ وذلك بسبب معضلة “خطأ الألفية Y2K“؛ والتي حدثت بسبب وجود عيب في أجهزة الحاسوب الكبيرة التي تتحكم بشبكات الاتصالات والمعلومات في المنشآت الحيوية مثل: المطارات والمستشفيات والقواعد العسكرية والمؤسسات المالية؛ وذلك لعدم استطاعتها قراءة عام 2000، والتوقف بنا في عام 1900؛ وسبب هذه المعضلة؛ هو أن المبرمجين اعتمدوا آلية تخزين أرقام السنوات بخانتين بدلاً من أربع؛ بحيث يتم الإشارة إلى عام 1998 برقم 98، ويستطيع الحاسوب أن يفهمها ليكون العام التالي هو 1999؛ لكن عام 2000 لا يمكن أن يفهمه الحاسوب بأنه هو العام التالي بعد عام 99 برمجياً؛ وقد استطاع العالم تجاوز هذه المعضلة من خلال البحث والتطوير.

قد لا تكون “Y2K” مشكلة كبيرة؛ ولكن فهمنا للتكنولوجيا وقتها كان قاصراً، وبطبيعة الحال فالخوف يتلازم دائماً بعدم المعرفة. وما إن تعاظمت المعرفة وتراكمت؛ وضع العالم نفسه أمام أسئلة محورية حول التحديات التي ستواجهنا في المستقبل؛ والتي تعتبر الأكثر خطورة وتعقيداً؛ إذ أن فكرة ارتفاع وتيرة التطور التكنولوجي والسباق المحموم نحو امتلاك تقنيات جديدة سواء من قبل الدول أو الشركات؛ وصل بنا إلى محاكاة بعض وظائف العقل البشري بدقة متناهية.

الأمر الذي يقودنا إلى التساؤل حول: مدى منطقية التشاؤم من تطور الذكاء الاصطناعي، أم أنه بالفعل يمثل خطراً حقيقيا قادراً على تحييد قدرات العنصر البشري وإمكاناته أو القضاء عليه؟

منذ أن تم إنشاء مركز STRATEGIECS Think Tank؛ عملنا على تخصيص جزء من مواردنا البحثية والمادية لدراسة آثار التطور التكنولوجي المطّرد على سلوكيات المجتمعات على اختلافها، وكيف يؤثر هذا البعد على حياتنا ومستقبلها وعلى تعاطينا مع ماضيها. ولعل أهم مرحلة في التطور التكنولوجي الحديث، باعتقادي، هي حينما بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) بالمساهمة في التأثير على طريقة تفاعل المستخدمين مع الإنترنت، وعلى طريقة تفاعل المستخدمين مع بعضهم البعض عبر الشبكة وعلى أرض الواقع.

وحيث أنه يمكن لتطبيقات (AI) أن تمنح الآلات إمكانية التعلم والتفكير والتخطيط والتطوير، وبالتالي تقديم الخيارات والمفاضلة بينها؛ فقد زاد تحرك الحكومات نحو المزيد من الاهتمام في تأطير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفهمها؛ للاستفادة منها في خدمة مواطنيها وحماية أمنها. ففي عام 2016؛ أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، الخطة الاستراتيجية الوطنية للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، وطلب الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، تحديثاً لها من خلال أمر تنفيذي صادر في شهر فبراير من عام 2019؛ حيث تم التركيز على التوجيه لقيام استثمارات طويلة الأجل في بحوث الذكاء الاصطناعي (AI)، وتطوير طرق فعّالة للتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن أهمية فهم الآثار الأخلاقية والقانونية والمجتمعية للـ (AI) ومعالجتها، وضمان سلامة هذه الأنظمة وأمنها، والتركيز على أهمية فهم احتياجات القوى العاملة الوطنية؛ فيما يتعلق ببحوث الذكاء الاصطناعي وتطويرها.

وتأتي أهمية هذه المجالات من منطلق تركيزها على البحث في تأثير الذكاء الاصطناعي دون ترك المجال للتكهنات؛ حيث أن الخوارزميات، التي هي سلسلة من التعليمات المستخدمة لحل إشكاليات تطبيقات التكنولوجيا، تمثل اللبنات الأساسية للعالم الرقمي المتقدم الذي نراه اليوم؛ والتي طورها المبرمجون لتعليم أجهزة الكمبيوتر مهاماً جديدة دون الرجوع للمطورين؛ وعلى هذا الأساس تحديداً يخشى العديد من العلماء أن يفقد البشر سيطرتهم على الآلة.

ونشير هنا إلى تجربة روبوتات الدردشة التفاعلية الخاصة بـ “فيسبوك” في نهاية 2017؛ إذ كان على هذه الروبوتات استخدام اللغة الإنجليزية للتفاوض فيما بينها؛ بهدف تبادل الكرات والكتب والقبعات؛ وقد تمكنت هذه الروبوتات من التفاوض والتواصل؛ لكن الأمر المقلق هو أنها عملت على تجميع كلمات اللغة الإنجليزية بشكل لم يفهمه أحد، واكتشف فيسبوك أن الروبوتات توصّلت لاستخدام لغة خاصة بها؛ ما أدى إلى إيقاف التجربة؛ خشية قيام الروبوتات بالولوج إلى قواعد بيانات دون علم “فيسبوك” نفسه؛ لذا فمن المهم بالفعل أن تتم دراسة هذه الفرضيات بعناية شديدة؛ ولكن في المقابل لا ينبغي التقليل من أهمية التطور الذي وصل إليه العالم بفضل تطبيقات (AI).

وهنالك فرض آخر أكثر حضوراً من القضاء على البشرية فيما يتعلق بتأثيرات الـ (AI) على الإنسان؛ وهو المتعلق بالشق الاجتماعي؛ حيث يُفترض بالضرورة أن تستبدل الآلة مكان الإنسان في بعض الوظائف الأساسية؛ كالمهن الطبية والقيادة والعمل في المصانع وغيرها؛ ويعتقد المؤلف الأمريكي وصاحب كتاب “صعود الروبوت”، مارتن فورد، أن الآلات ستفقد البشر كثيراً من وظائفهم، وأنها ستزيد من نسبة البطالة بشكل كبير؛ لكنني أرى أن هنالك احتمالية لأن يكون هذا الطرح غير دقيق تماماً.

ويمكننا نقاش عدم دقة هذا الطرح من منظورين رئيسيين:

الأول: هو أننا نعتقد بشكل تام بصحة استبدال الآلة بالإنسان في بعض الوظائف التقليدية؛ ولكن هذا لا يعني أن المهن التي ستقوم بها الآلة ستبقي الإنسان عاطلاً عن العمل أو ملازماً للشاطئ؛ بل عمل التطور التكنولوجي في الحقيقة على خلق عدد كبير من الوظائف التي لم يمارسها الإنسان من قبل، وجميعها متعلق بتطوير التطبيقات التكنولوجية والبرمجة وعلم الكمبيوتر والأمن الرقمي؛ هذا على المستوى الحالي؛ وبالنسبة للمستوى المستقبلي؛ فلن يكف الإنسان عن إيجاد وظائف بديلة ومتجددة؛ وبالتالي ستتضاعف الفرص الاستثمارية الجذابة في العالم.

وأما المنظور الثاني: فهو أن طبيعة الوظائف، التي أثبتت فيها الآلة تفوقها، متعلقة بالدقة وبالحسابات المنطقية والمهام المتعددة؛ والتي قد يؤدي الخطأ البشري فيها إلى فقد الأرواح أو تفاقم الإشكاليات؛ فقد عمل موقع “شاتبوت-ChatBot” مثلا على إيجاد حل لإشكاليات التشخيص في الطب النفسي؛ لعدم قدرة الأفراد في بعض المجتمعات على تحمل تكاليف التشخيص الباهضة؛ وذلك من خلال تطويره للغة طبيعية تتحدث فيها البرمجيات مع المستخدمين البشر؛ ولتتمكن هذه البرمجيات من العمل كمعالج افتراضي وتقديم التوجيه والدعم لأولئك الذين ليس لديهم بدائل فعالة، عدا عن ذلك فقد أظهرت نتائج مراقبة هذه التطبيقات، التي تستخدم الـ (AI) للمعالجة النفسية، أنها كانت فعالة مع المرضى الذين شعروا بحرية أكبر في التحدث عن أمراضهم.

هذا لا يعني عدم دقة الإنسان بالتأكيد؛ ولكن في المهن الجامدة تحديداً والتي لا تحتاج إبداعاً سيكون تعاون الإنسان مع الآلة مجدياً للتقليل من الأخطاء، وكذلك فإن العديد من الشركات الكبيرة تعتمد على القوالب الجاهزة أكثر من اعتمادها على إبداع موظفيها؛ تحديداً إن كانت تلك الوظائف متعلقة بالتصميم والفنون والتفكير الإبداعي؛ فقد يشعر الأفراد العاملون فيها بأن الغاية الحقيقية لوجودهم في هذه الأماكن مفقودة؛ لأن مسمياتهم الوظيفية تفترض منهم إطلاق العنان لإبداعهم الخاص، ولكن هذه الشركات لا تحمل كثيرا من الوقت لتجربة هذا الإبداع؛ ما يشكل معضلة حقيقية بالنسبة للعديد من هؤلاء الأفراد، ويلهمهم للبحث عن أماكن يستطيعون أن يوظفوا فيها قدراتهم الخاصة؛ وبالتالي سيكون الذكاء الاصطناعي بديلاً جيداً لاستخدام القوالب الجاهزة عن هؤلاء.

بعد كل ما سبق؛ يبرز التساؤل الأهم حول إمكانية تطبيق العالم بأسره لأنظمة الذكاء الاصطناعي المعقدة بنفس الكم؛ حيث تستطيع كل من: روسيا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا تطوير استراتيجياتها للتعامل مع بحوث تطبيقات الـ (AI)؛ لكن ماذا عن الدول التي تحتاج لتأهيل بنية تحتية رقمية، وتعاني حكوماتها أساسا من فقر البيانات؟ وهذه البيانات هي الجوهر الذي يتم تطوير الذكاء الاصطناعي على أساسه؛ بمعنى أن دولاً محددةً تستطيع التعامل مع هذا التطور، فعلى سبيل المثال؛ لو افترضنا أن شركة Uber عبر استحواذها على شركة “Mighty AI” المتخصصة في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالقيادة؛ قد طورت برنامجاً خاصاً بتقنيات السيارات ذاتية القيادة، وأرادت استبدال أسطولها البشري في العالم، بسياراتها ذاتية القيادة؛ ففي حال نجاح هذه البرمجيات في الدول المتقدمة؛ هل ستستطيع تطبيق هذا النظام في الدول النامية التي تفتقر إلى شبكة إنترنت كفؤة، والتي عادة ما يواجه نظام التموضع العالمي (GPS) فيها خللا بسبب عدم التحديث المستمر في بيانات الطرق؟! وقد تكون العديد من المناطق غير مغطاة بشبكة اتصالات من أساسه؛ ما يعني أنه في أبسط الفرضيات؛ قد تعاني هذه الأنظمة من تحديات ومعوقات كبيرة في اجتياح العالم؛ وبالتالي لن يكون الحديث عن تحييد الآلة للعنصر البشري في العالم دقيقاً.

وبناء على ما تقدم؛ فهناك شبه توافق على أن العالم لا يزال وسيبقى يعيش مرحلة التجربة بحثاً عن اليقين والصواب؛ منتجاً أخطاءه الخاصة وأحكامه التي ستفرض تأثيرها على حياة المجتمعات؛ لكن البحث والتطوير والدراسة الحثيثة؛ سيقللون حتماً من حجم الخطأ في رحلة البحث عن الأفضل؛ ولا بد ونحن نمضي قدما في رحلتنا هذه ألّا ننسى المجتمعات التي تعاني من التأخر في كل من: التنمية والخدمات الصحية والتعليم.

المصدر:

اترك رد

Your email address will not be published.