AI بالعربي – متابعات
تسعى شركة ناشئة جديدة إلى تغيير طريقة تعامل البشر مع الذاكرة، عبر تطوير نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتخزين واسترجاع كل تفاصيل الحياة الرقمية. الفكرة تبدو طموحة، لكنها تعكس تحولًا متسارعًا في دور التقنيات الذكية. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل يتجه ليصبح امتدادًا مباشرًا لقدرات الإنسان الإدراكية.
أعلن الباحث غابرييل كريمان، المتخصص في علوم الأعصاب، إطلاق شركة “Engramme” بهدف بناء ما يصفه بـ”نماذج الذاكرة الضخمة”. تعتمد هذه النماذج على فكرة مشابهة لنماذج اللغة الكبيرة التي تقف خلف أدوات مثل ChatGPT. لكنها تختلف في نقطة أساسية، إذ تتعلم من بيانات المستخدم نفسه، وليس من بيانات عامة.
يركز المشروع على جمع وتنظيم كل ما ينتجه المستخدم رقميًا خلال حياته اليومية. يشمل ذلك الرسائل، والمستندات، والصور، والملاحظات، وسجل التصفح. يعمل النظام على تحويل هذه البيانات إلى قاعدة معرفة قابلة للاسترجاع الفوري. بذلك يصبح المستخدم قادرًا على استعادة تفاصيل دقيقة من ماضيه خلال ثوانٍ.
يمثل هذا التوجه انتقالًا واضحًا من “نماذج اللغة” إلى “نماذج الذاكرة”. بدلاً من توليد إجابات عامة، يقدم النظام استجابات مبنية على سياق شخصي عميق. يمكنه تذكير المستخدم بمواقف قديمة، أو أفكار سابقة، أو علاقات مهنية نسي تفاصيلها. هذه القدرة قد تعزز دقة القرارات اليومية بشكل ملحوظ.
يرى القائمون على المشروع أن التقنية الجديدة قد تعيد تشكيل بيئات العمل. يستطيع الطبيب استرجاع تاريخ الحالات التي تعامل معها بسهولة. ويتمكن المحامي من الوصول إلى سوابق دقيقة من أرشيفه الشخصي. كما يستفيد الباحث من الربط بين أفكار متباعدة زمنيًا. هذه الاستخدامات ترفع كفاءة الأداء المهني بشكل مباشر.
تعكس هذه الفكرة أيضًا تطورًا في مفهوم إدارة المعرفة الشخصية. لم تعد الملاحظات التقليدية كافية لتنظيم المعلومات المعقدة. يقدم الذكاء الاصطناعي هنا نظامًا مترابطًا يربط الأحداث والأفكار تلقائيًا. هذا الترابط يمنح المستخدم فهمًا أعمق لمسار حياته الرقمية.
لكن هذه الطموحات تثير تساؤلات مهمة حول الخصوصية. تخزين هذا الكم من البيانات في نظام واحد يخلق تحديات أمنية واضحة. تصبح هذه المنصات هدفًا جذابًا للهجمات السيبرانية. كما تبرز أسئلة حول ملكية البيانات وكيفية التحكم فيها.
يشير خبراء إلى أن الاعتماد الكامل على الذاكرة الرقمية قد يغير سلوك الإنسان. الذاكرة البشرية تعتمد على الانتقاء والنسيان. هذا الانتقاء يلعب دورًا في التكيف النفسي واتخاذ القرار. في المقابل، تقدم الأنظمة الرقمية سجلًا دقيقًا لا ينسى شيئًا.
وصف كريمان المشروع بأنه خطوة نحو إنهاء النسيان لدى البشر. يحمل هذا التصور أبعادًا فلسفية تتجاوز الجانب التقني. إذ قد يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذكرياته. كما قد يؤثر في فهم الهوية الشخصية مع مرور الوقت.
في سياق أوسع، يعكس هذا المشروع اتجاهًا متناميًا في صناعة الذكاء الاصطناعي. تتحول الشركات من تطوير أدوات مساعدة إلى بناء أنظمة تعزز القدرات العقلية. هذا التحول يضع المستخدم في مركز التجربة، حيث تصبح بياناته المصدر الأساسي للقيمة.
يبقى نجاح هذا النموذج مرتبطًا بقدرته على تحقيق التوازن بين الفائدة والمخاطر. إذا نجحت الشركة في حماية البيانات وضمان الخصوصية، فقد نشهد نقلة نوعية في استخدام الذكاء الاصطناعي. أما إذا فشلت، فقد تتحول الفكرة إلى مصدر قلق بدلاً من أن تكون أداة تمكين.








