AI بالعربي – متابعات
بات الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في إدارة العمليات العسكرية الحديثة، بعدما انتقل من دور الدعم التحليلي إلى موقع التأثير المباشر في صناعة القرار الميداني. وفي سياق المواجهة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، تكشف المعطيات المتداولة عن حضور تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل التخطيط، جمع المعلومات، اختيار الأهداف، وإدارة العمليات اللوجستية والسيبرانية، ما يعكس تحوّلًا جذريًا في طبيعة الحروب المعاصرة.
الذكاء الاصطناعي في التخطيط العسكري الأميركي
أظهرت تقارير متقاطعة أن القيادة المركزية الأميركية، التابعة لـوزارة الدفاع الأميركية، اعتمدت على نموذج Claude الذي تطوره Anthropic في عدد من المهام المرتبطة بتحليل البيانات الاستخباراتية مفتوحة المصدر، ومحاكاة السيناريوهات العملياتية، وتقدير المخاطر.
ورغم قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف التعامل مع الشركة بسبب خلافات تتعلق بضوابط الاستخدام العسكري، فإن الاستغناء الكامل عن هذه الأدوات لم يكن فوريًا، نظرًا لدمجها سابقًا في بنية العمل الدفاعي، ما تطلب فترة انتقالية لإعادة هيكلة المنظومة التقنية.
من الدعم التحليلي إلى الاستهداف الدقيق
لم يعد دور الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على فرز البيانات، بل امتد إلى دعم عمليات الاستهداف عالي الدقة. وتشير تقديرات خبراء في مجلس العلاقات الخارجية إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة باتت تُستخدم في تحليل الخرائط، وتتبع الاتصالات، ورصد التحركات الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن ما يُعرف بالاستخبارات مفتوحة المصدر.
هذا التطور يعكس انتقالًا من الحروب التقليدية القائمة على كثافة النيران، إلى حروب خوارزمية تعتمد على سرعة المعالجة ودقة التوجيه وربط الصواريخ والرادارات والأقمار الصناعية بشبكات تحليل ذكية.
التحول نحو نماذج بديلة: OpenAI وChatGPT
مع تصاعد التوتر بين البنتاغون وAnthropic، اتجهت وزارة الدفاع الأميركية إلى توقيع اتفاقيات جديدة مع OpenAI لنشر نماذجها، ومن بينها ChatGPT، في بيئات سرية مصنفة.
ويؤكد مسؤولون دفاعيون أن الهدف يتمثل في توظيف هذه التقنيات ضمن “حالات الاستخدام المشروعة”، بما يشمل إدارة الوثائق السرية، تحليل البيانات اللوجستية، ودعم اتخاذ القرار، مع الإبقاء على العنصر البشري في دائرة الإشراف النهائي.
غير أن خبراء يحذرون من أن استبدال نموذج بآخر لا يلغي المخاطر المرتبطة بالتحيزات أو ما يُعرف بظاهرة “الهلوسة” في النماذج اللغوية، وهو ما يثير تساؤلات حول موثوقية المعلومات إذا استُخدمت في سياقات الاستهداف العسكري.
الرؤية الإسرائيلية: أنظمة دعم القرار
في المقابل، دمجت إسرائيل أنظمة دعم القرار المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ضمن بنيتها العسكرية بصورة أوسع.
وتستخدم هذه الأنظمة في تحليل أنماط الاتصالات، تحديد المواقع الجغرافية، ورصد الشبكات التنظيمية، بما يسهم في تحديد أهداف محتملة خلال النزاعات.
وتشير قراءات استراتيجية إلى أن هذا الدمج العميق مكّن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من تسريع دورة القرار العملياتي، وتقليص الفجوة الزمنية بين جمع المعلومات وتنفيذ الضربات.
الذكاء الاصطناعي الإيراني.. نموذج هجين
على الضفة الأخرى، تتبنى إيران مقاربة مختلفة تقوم على تطوير منظومات ذكاء اصطناعي هجينة تجمع بين تقنيات أميركية وصينية، في محاولة لتحقيق استقلال تقني وتقليل الاعتماد على أطراف خارجية.
وتربط تحليلات أمنية بين استخدام هذه المنظومات في إدارة الهجمات السيبرانية، وتعزيز دقة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحسين قدرات التمويه والمناورة. ويُعزى نجاح بعض الضربات الدقيقة إلى التكامل بين أنظمة التوجيه التقليدية وخوارزميات المعالجة الفورية للبيانات.
الحرب الخوارزمية.. تحول في مفهوم القوة
تكشف المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران عن انتقال الحروب من منطق “تفوق العتاد” إلى منطق “تفوق الخوارزمية”.
فالقوة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات فقط، بل بقدرة الأنظمة على تحليل البيانات في الزمن الحقيقي، والتنبؤ بردود الفعل، وإدارة الموارد بكفاءة.
ويرى خبراء أن من يمتلك منظومة ذكاء اصطناعي أكثر تكاملًا، يملك أفضلية استراتيجية في مجالات الاستهداف، الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، والهجمات السيبرانية.
الضوابط القانونية وأخلاقيات الاستخدام
أثار دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية نقاشًا واسعًا حول مشروعية “الأسلحة ذاتية التشغيل” في ضوء مبادئ القانون الدولي الإنساني. فالقواعد الدولية تحظر استخدام أسلحة تسبب آلامًا غير مبررة أو أضرارًا عشوائية أو آثارًا طويلة الأمد على البيئة.
وتؤكد دراسات قانونية أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية، حتى دون نص خاص، تخضع لمبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية، ما يستدعي حوكمة دولية واضحة، وآليات رقابة صارمة تضمن بقاء القرار النهائي بيد الإنسان.
بين الابتكار والمخاطر
تكشف هذه التطورات عن فجوة متنامية بين شركات التكنولوجيا والمؤسسات الدفاعية، إذ تتحفظ بعض الشركات على الاستخدام القتالي المباشر لتقنياتها، بينما ترى الجيوش أن الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة عملياتية لا غنى عنها.
وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، يتكرس الذكاء الاصطناعي لاعبًا رئيسيًا في معادلات الردع والهجوم. وبينما تتنافس القوى الكبرى على تطوير نماذج أكثر تقدمًا، يبقى السؤال مفتوحًا حول حدود الاستخدام، ومسؤولية القرار، ومستقبل الحروب في عصر الخوارزميات.








