كيفية إدارة الطلب على الطاقة لمواءمة تقدم الذكاء الاصطناعي مع الاستدامة؟

9

AI بالعربي – متابعات

في عصر يراقب فيه المجتمع منبهرًا سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما يتم غض الطرف عن البصمة البيئية لهذه التطورات، إلا أن الآثار البيئية المهمة للذكاء الاصطناعي تتطلب تسليط الضوء عليها ومعالجتها.

ومن اللافت للنظر أن القوة الحسابية اللازمة لاستدامة تطور الذكاء الاصطناعي تتضاعف تقريبًا كل 100 يوم، ولتحقيق تحسن بمقدار عشرة أضعاف في كفاءة نموذج الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يرتفع الطلب على الطاقة الحسابية بما يصل إلى 10 آلاف مرة.

وتتسارع الطاقة اللازمة لتشغيل مهام الذكاء الاصطناعي بالفعل بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 26% و36%، وهذا يعني أنه بحلول عام 2028، يمكن أن يستهلك الذكاء الاصطناعي طاقة أكبر مما استخدمته دولة أيسلندا بأكملها في عام 2021.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن دورة حياة الذكاء الاصطناعي تؤثر على البيئة في مرحلتين رئيسيتين: وهما مرحلة التدريب ومرحلة الاستدلال.

في مرحلة التدريب، تتعلم النماذج وتتطور عن طريق استيعاب كميات هائلة من البيانات، وبمجرد تدريبها، تنتقل إلى مرحلة الاستدلال، حيث يتم تطبيقها لحل مشكلات العالم الحقيقي.

وفي الوقت الحاضر، تنقسم البصمة البيئية، حيث يشكل التدريب نحو 20% في حين يستأثر الاستدلال بنصيب الأسد بنسبة 80%.

لمواءمة التقدم السريع للذكاء الاصطناعي مع ضرورة الاستدامة البيئية، فإن وجود استراتيجية مخططة بدقة يُعد أمرًا ضروريًا، وهذا يشمل اتخاذ إجراءات فورية وأخرى قصيرة المدى مع إرساء الأساس للاستدامة على المدى الطويل.

خفض استهلاك الطاقة في مجال الذكاء الاصطناعي اليوم

تُظهر الأبحاث الجديدة الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها اليوم لمواءمة تقدم الذكاء الاصطناعي مع الاستدامة.

فمثلًا، يمثل تحديد الحد الأقصى لاستخدام الطاقة أثناء مرحلتي التدريب والاستدلال لنماذج الذكاء الاصطناعي نهجًا واعدًا لخفض استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة بنسبة تتراوح من 12% إلى 15%.

مع تضحية بسيطة في الوقت المحدد لإكمال المهام باستخدام وحدات معالجة الرسومات التي من المتوقع أن تستغرق حوالي 3% أطول.

يُعد الجدول الزمني المُحسَّن لتوفير الطاقة تكتيكًا مؤثرًا آخر، إذ إن تحويل أحمال العمل بما يتماشى مع أوقات انخفاض الطلب على الطاقة، مثل تشغيل المهام الأقصر ليلاً أو التخطيط لمشاريع أكبر خلال الأشهر الأكثر برودة، في الأماكن التي يكون فيها استخدام مكيف الهواء منتشرا – يمكن أن يؤدي أيضًا إلى وفورات كبيرة في الطاقة.

وأخيرًا، فإن الانتقال نحو استخدام مراكز البيانات المشتركة وموارد الحوسبة السحابية بدلاً من تكليف البنية التحتية الخاصة بشكل فردي يمكن أن يؤدي إلى تمركز المهام الحسابية في البنى التحتية الجماعية وتقليل استهلاك الطاقة المرتبطة بعمليات الذكاء الاصطناعي.

وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى وفورات مالية في المعدات وفواتير كهرباء أقل، خاصةً عندما يتم تحديد موقع الموارد بشكل استراتيجي في مناطق ذات تكاليف طاقة أقل.

 تسخير الذكاء الاصطناعي من أجل تحوّل الطاقة

بعيداً عن التدابير الفورية، ينبغي أن ينصب التركيز على المدى القريب على تسخير قدرات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الاستدامة.

يمكن للذكاء الاصطناعي، إذا استخدم بشكل صحيح، أن يكون أداة قوية لتحقيق الهدف الطموح المتمثل في مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة وترسيخ كفاءة الطاقة بحلول نهاية العقد، والذي وُضع في مؤتمر الأمم المتحدة لتغيّر المناخ “COP28” في العام الماضي.

يدعم الذكاء الاصطناعي جهود التحوّل في مجال المناخ والطاقة بطرق لا حصر لها، فهو يساعدنا على سبيل المثال في تطوير مواد جديدة لتقنيات الطاقة النظيفة، وفي تحسين محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ويمكن أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرات تخزين الطاقة، وتحسين عمليات احتجاز الكربون، وتعزيز التوقعات المناخية والطقس من أجل تخطيط أفضل للطاقة.

ومن خلال تسخير الذكاء الاصطناعي بشكل استراتيجي لتعزيز قطاع الطاقة المتجددة، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي يحمل وعدًا ليس فقط بأن يصبح صديقًا للبيئة في عملياته الخاصة، لكن أيضًا بالمساعدة في بناء عالم أكثر استدامة للأجيال القادمة.

 الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية

على المدى الطويل، يُعد تعزيز التآزر بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمومية الناشئة استراتيجية حيوية لتوجيه الذكاء الاصطناعي نحو التنمية المستدامة.

وعلى النقيض من الحوسبة التقليدية، حيث يتصاعد استهلاك الطاقة مع زيادة الطلب الحسابي، تظهر الحوسبة الكمومية علاقة خطية بين القوة الحسابية واستخدام الطاقة.

علاوة على ذلك، تتمتع التكنولوجيا الكمومية بالقدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي عن طريق تحويل النماذج إلى نماذج أكثر إحكامًا، وتعزيز كفاءة التعلم، وتحسين وظائفها العامة – كل ذلك دون بصمة الطاقة الكبيرة التي أصبحت معيارًا مثيرًا للقلق في الصناعة.

يتطلب تحقيق هذا القدر جهدًا جماعيًا يشمل الدعم الحكومي والاستثمار في الصناعة والبحث الأكاديمي والمشاركة العامة.

من خلال دمج هذه العناصر، من الممكن تصور وإرساء مستقبل حيث يسير التقدم في الذكاء الاصطناعي بشكل متناغم مع الحفاظ على صحة الكوكب.

وبينما نقف عند مفترق الطرق بين الابتكار التكنولوجي والمسؤولية البيئية، فإن الطريق إلى الأمام واضح، ويدعو إلى جهد جماعي لاحتضان الاستدامة ودمجها في صميم تطوير الذكاء الاصطناعي.

غني عن القول، إنه لكي يحقق الذكاء الاصطناعي إمكاناته التحويلية الكاملة، ويقدم مستويات غير مسبوقة من الإنتاجية، ويعزز رفاهية المجتمع، فلا بد أن يتطور بشكل مستدام.

وما يزيد الأمور سوءًا هو كمّ الاستهلاك الكبير للطاقة الذي يميز منظومة الذكاء الاصطناعي، والذي يشمل كل شيء بدءًا من الأجهزة والبنية التحتية وصولاً إلى بروتوكولات التدريب والتقنيات التشغيلية.

اترك رد

Your email address will not be published.