الذكاء الاصطناعي زمن اللايقين

44

د. انتصار البناء

بشّرتنا الحداثة مع بزوغ فجرها بطي عصور الميتافيزيقيا بكل مكوناتها من السحر والشعوذة والتنجيم والتعويل على الشياطين والأرواح الشريرة. فالعلم بفرضياته ومنهجياته وتطبيقاته المعملية سيقدّم لنا الحقائق الملموسة التي تحيل إلى العالم المادي. وتقلص مساحات الاختلاف والجدل الناتجة عن الجهل والغموض. ولكن ما أن وصلت الحداثة أوجها حتى شعرنا بأننا نعيش أكثر العصور غموضًا، وأصعبها في الجزم بكثير من الحقائق التي، ومن هول المفارقة، قد نرى الوقائع ونلمسها، ولكننا لا نصدقها.

أخذت قصة اختفاء الأميرة كيت ميدلتون زوجة ولي العرش البريطاني بعدًا مثيرًا بسبب تعقيدات حالة الاختفاء. ثم طبيعة تسريبات صورها من القصر الملكي. إذ كشفت العديد من المواقع الإلكترونية المتخصصة التلاعب الفني في صور الأميرة، وشكّكت في صحة الصور، ثم نسجت قصصًا كثيرة حول حقيقة اختفائها. وحتى مع إصدار القصر للفيديو الرسمي الأخير لكيت الذي أعلنت فيه أنها مصابة بالسرطان خرجت تحليلات كثيرة تنفي أن تكون هذه هي كيت ميدلتون، وأن استحضار صورتها وصوتها تم عن طريق آليات الذكاء الاصطناعي. ماذا لو لم يكن هناك ذكاء اصطناعي؟ كيف كان قصر باكنغ هام سيعالج موضوع اختفاء الأميرة كيت؟ وكيف كان الناس سيستقبلون الخبر؟

أدوات الذكاء الاصطناعي ليست جديدة، بل بدأت في سبعينيات القرن الماضي، حين أخذت مجالات الحاسوب تتطور. لكنه بلغ ذروته المقلقة في حدود العام 2016م. مع تكون “البيانات الضخمة” الناشئة من تخزين ملايين المليارات من البيانات المدخلة في آلاف البرامج والتطبيقات. متمثلة في أسماء الأشخاص وبيانات الشخصية والعناوين، وبيانات الحسابات البنكية. وأنواع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية… ثم إعادة استخدام هذه البيانات في صيغة خدمات جديدة. وربما يكون مكمن القلق في إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يتجاوز معالجة البيانات في مساعدة الأفراد على البحث، إلى تقديم المنتج النهائي كاملاً بمجرد طلب الأفراد. وصار بإمكان بعض البرامج استحضار صورة متحركة لأي شخصية واستخدام بصمة صوته في تنفيذ أي أداء تمثيلي لغوي. مما سيؤدي إلى التشكيك في حقيقة ظهور أي شخصية عبر الشاشات، تمامًا كما هو الحال مع أزمة اختفاء الأميرة كيت.

تجدر الإشارة إلى أن العاملين في هوليود في مختلف المجالات الفنية من التأليف وإعداد السيناريو وتصميم الديكورات والمؤثرات البصرية والسمعية، وتضامن معهم العديد من مشاهير الممثلين، يخرجون في مسيرات حاشدة منذ عامين احتجاجًا على توسع شركات الإنتاج في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات السابقة. ما يهدد وظائف العاملين، أو يقلل من رواتبهم مرحليًا. بل إن تجارب ناجحة يجري تنفيذها في عمل مسح ضوئي للمثلين كي يتم استخدام صورهم المعدلة إلكترونيا في العديد من المشاهد، وصولاً للاستغناء عن الممثلين أنفسهم. وذلك لخفض تكلفة الإنتاج. ما يعني خلو هوليود من العناصر البشرية والاكتفاء بمشغلي البرامج فقط!!

آخر ما توصلت إليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الروبوتات هو الاستغناء التام عن البرمجة والمبرمجين. حيث يتولى الروبوت مباشرة ترجمة التوجيهات البشرية الشفوية أو المكتوبة إلى لغة حوسبية مختصرة تمكنه من فهم الأوامر اللغوية التقليدية. بالتالي، فإن وظيفة المبرمجين مهددة هي الأخرى بالانقراض.

بالتأكيد أن كل تلك التقنيات يمكن تسخيرها إيجابا في خدمة البشرية. لكن لحد الآن لم تتضح سوى صورة سرقة الآلة لكثير من الوظائف البشرية. واحتكار الجهات المصنعة لكافة البيانات وأسرار التصنيع والبرمجة. الأمر الذي يفتح الآفاق لكم كبير من نظريات المؤامرة حول مستقبل الإنسان، وطبيعة البشر الذين يسيطرون على التقنيات الحاكمة للكون. وإلى أن تنجلي الوقائع، فنحن، إذ نعاصر أوج ما أنتجه العلم البشري من مظاهر حضارية، فإن البشرية، كذلك، تعيش حالة من التشكيك والبعد عن الحقائق واللايقين، ما لم تعشه من قبل.

اترك رد

Your email address will not be published.