الذكاء الاصطناعي .. مشهد الرأي العام

17
أ.د.سعد علي الحاج بكري
يمثل الرأي العام خلاصة آراء الأفراد، في مجتمع من الناس، ومواقفهم، وتوجهاتهم، بشأن قضية عامة ومؤثرة، مثل قضية الذكاء الاصطناعي واستخداماته، وتطوره، وآفاق المستقبل بشأنه. تعتمد هذه الخلاصة عادة على عاملين رئيسين. أولهما عامل المعرفة المتوافرة حول القضية المطروحة، وثانيهما عامل صفات الأفراد أصحاب الرأي. وتختلف المعرفة المتوافرة عادة بين مضمون موضوعي يتمتع بمنطق عقلاني وشمولية كافية في طرح القضية، ومضمون ذاتي يرى طرفا منها، أو يتأثر به دعائيا، وينحاز سلبا أو إيجابا تجاهها. تختلف صفات الأفراد أيضا تبعا للجنس، والسن، ومستوى التعليم، ومدى الاهتمام، وغير ذلك. في إطار الاختلاف القائم في مضامين المعرفة وفي صفات الأفراد، تختلف الآراء والمواقف والتوجهات، وينعكس ذلك على خلاصة الرأي العام التي في الأغلب ما تعطى كنسب مئوية معبرة، في إطار شرائح من الناس، وتقسيمات تتبع الخلاف في الرأي ضمن هذه الشرائح.

يطرح هذا المقال موضوع الذكاء الاصطناعي من جانب مشهد الرأي العام بشأنه، وذلك على مستوى العالم. يستند المقال في ذلك إلى الإحصائيات التي يقدمها تقرير “دليل الذكاء الاصطناعي 2023” الصادر عن جامعة ستانفورد الشهيرة. ويمثل المقال جزءا من سلسلة من المقالات، المتتابعة على هذه الصفحة، التي تسعى إلى بناء مشهد واضح متكامل لشؤون الذكاء الاصطناعي، يشمل جوانبه المختلفة. والهدف من ذلك هو بيان هذا المشهد أمام القارئ الكريم بشكل موضوعي، يحفز اهتمامه بالأمر، ويعزز أثره في جاهزية المجتمع لمعطيات الذكاء الاصطناعي وآفاقه المستقبلية المقبلة.

لعلنا نبدأ الأمر المنشود، ببيان بعض نتائج دراسة إحصائية، طرحها تقرير ستانفورد، حول الرأي العام، على مستوى العالم بمناطقه ودوله المختلفة، وعلى مستوى بعض الدول المختارة، تجاه أربعة آراء رئيسة حول الذكاء الاصطناعي، تنحصر الاستجابة لها “بنعم” الموافقة على الرأي، أو بـ”لا” رفضه. الدول المختارة في هذا المقال، مأخوذة من الدراسة الإحصائية، هي: أمريكا، والصين، وكوريا الجنوبية، والسعودية. طرح الرأي الأول مسألة وجود إدراك عام لموضوع الذكاء الاصطناعي وأهميته. وكانت نسبة الاستجابة بالموافقة على وجود هذا الإدراك “64 في المائة”، على مستوى العالم، وتفوقت هذه النسبة في السعودية على الدول المختارة، حيث وصلت إلى “73 في المائة”. بلغت نسب كوريا الجنوبية، والصين، وأمريكا، “72، و67، و63 في المائة” على الترتيب.

عرض الرأي الثاني مسألة توقع حدوث تغيرات في الحياة اليومية مع تقدم الذكاء الاصطناعي في المستقبل. وكانت نسبة الموافقة على هذا الرأي، على مستوى العالم “60 في المائة”، وتفوقت هذه النسبة في كل من السعودية والصين على الدول المختارة الأخرى، حيث وصلت إلى “80 في المائة” في كل منهما. وبلغت نسب كوريا الجنوبية، وأمريكا، “76، و46 في المائة” على الترتيب. ثم ركز الرأي الثالث على القول إن إيجابيات الذكاء الاصطناعي تفوق سلبياته. وكانت نسبة الموافقة على هذا الرأي على مستوى العالم “52 في المائة”، وتفوقت هذه النسبة في الصين على الدول المختارة، حيث وصلت في الصين إلى “78 في المائة”، ووصلت في السعودية إلى “76 في المائة”، وفي كوريا إلى “60 في المائة”، لكنها انخفضت في أمريكا إلى “35 في المائة”.

نأتي إلى الرأي الرابع الذي يقول إن الثقة بشركات الذكاء الاصطناعي تكافئ الثقة بالشركات في المجالات الأخرى المعتادة. جاءت الموافقة على هذا القول بنسبة قدرها “50 في المائة” على مستوى العالم. وأتت نسبة الموافقة الأعلى من الصين، حيث بلغت “76 في المائة”، ثم السعودية بنسبة قدرها “73 في المائة”، فكوريا الجنوبية بنسبة “46 في المائة”، وأخيرا أمريكا بنسبة “35 في المائة”.

ننتقل إلى نتائج دراسة إحصائية ثانية حول الرأي العام طرحها تقرير ستانفورد، في قضايا الذكاء الاصطناعي، شملت أمريكا فقط، تهتم هذه الدراسة بثلاث حالات رئيسة من حالات استخدام الذكاء الاصطناعي حاليا، وتدرس الرأي العام في كل منها على أساس ثلاث إجابات هي أن حالة الاستخدام المطروحة سيئة، أو جيدة، أو لا رأي بشأنها. تضمنت الحالة الأولى موضوع استخدام الشرطة الأمريكية الذكاء الاصطناعي في تمييز الوجوه. جاءت الإجابات بشأن حالة هذا الاستخدام لتقول إن “27 في المائة” يرونها سيئة، أي يعارضون كشف وجوه المخالفين للقانون، ربما لأنهم لا يثقون بحكمة الشرطة الأمريكية في التعامل مع هؤلاء، أو لأي سبب آخر، مقابل “46 في المائة” يجدونها جيدة، أي عكس ما سبق، والباقي لا رأي لهم في هذه الحالة.

طرحت الحالة الثانية موضوع قيام شركات شبكات التواصل الاجتماعي باستخدام برامج ذكية لاكتشاف المعلومات غير الصحيحة الموجودة على مواقع مستخدميها. جاءت الإجابات بشأن هذه الحالة لتقول إن “31 في المائة” يرونها سيئة، ربما لأنهم لا يثقون بمثل هذه البرامج، أو لا يثقون بإدارات شبكات التواصل ذاتها، مقابل “38 في المائة” يجدونها جيدة، والباقي لا رأي لهم في هذه الحالة.

اهتمت الحالة الثالثة بموضوع استخدام الذكاء الاصطناعي في قيادة السيارات بدلا عن الإنسان. وجاءت الإجابات لتقول إن “44 في المائة” يرونها سيئة، ربما لأنهم لا يثقون بهذه القيادة الآلية، أو يخشون من بطالة السائقين، مقابل “26 في المائة” يرونها جيدة، والباقي لا رأي لهم في هذه الحالة. ويمكن بالطبع إجراء دراسة في الرأي العام لهذه الحالات في أماكن أخرى من العالم. كما يمكن دراسة حالات كثيرة أخرى في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

رغم اختلاف الآراء بشأن الأقوال حول التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلا أن التوجه العام في الدول المطروحة، تبعا لنسب الآراء المعطاة، يبدو إيجابيا. والاستثناء في ذلك يأتي من أمريكا، وبالذات في ثلاثة من الأقوال الأربعة. أما الآراء الأمريكية في الحالات الثلاث الخاصة باستخدام هذا الذكاء، فتبدو متأرجحة. ولا شك أن أثر التقدم في هذا الذكاء يحتاج، في جميع الدول، إلى وعي موضوعي يواكبه، وتخطيط سليم يقوده، عبر النظر إلى جميع جوانب المشهد من حوله، كي يسهم هذا التقدم في حياة أفضل للجميع.

المصدر: الاقتصادية
اترك رد

Your email address will not be published.