AI بالعربي – متابعات
تواصل شركات التكنولوجيا العملاقة ضخ استثمارات هائلة في مشاريع الذكاء الاصطناعي، ما يدفعها إلى جمع مئات المليارات من الدولارات عبر أسواق الدين العالمية. هذا التوسع الضخم أعاد تنشيط سوق المشتقات الائتمانية، وأوجد فرصًا جديدة للبنوك وصناديق التحوط لتحقيق أرباح متزايدة.
وتشهد وول ستريت ارتفاعًا ملحوظًا في تداول عقود مقايضة مخاطر الائتمان، مع سعي البنوك إلى تقليل حجم الانكشاف الائتماني المرتبط بشركات التكنولوجيا الكبرى. وتستخدم المؤسسات المالية هذه الأدوات لتخفيف المخاطر، ما يسمح لها بمواصلة تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي وتقديم قروض إضافية للشركات العملاقة.
وتقود شركات مثل “ميتا” و”ألفابت” و”مايكروسوفت” و”أمازون” موجة الاقتراض الجديدة. وتشير التقديرات إلى أن شركات “الهايبرسكيلرز” اقترضت أكثر من 250 مليار دولار عالميًا لتمويل البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ووحدات معالجة الرسومات.
وتفرض الأنظمة المصرفية حدودًا صارمة على حجم الانكشاف تجاه كل شركة. لذلك، تلجأ البنوك إلى شراء الحماية الائتمانية عبر عقود المشتقات لتقليل المخاطر الظاهرة في ميزانياتها. وبعد ذلك، تستطيع البنوك منح تمويلات جديدة أو ترتيب إصدارات ديون إضافية لتلك الشركات.
ويؤدي الطلب المتزايد من البنوك إلى ارتفاع أسعار عقود الحماية الائتمانية المرتبطة بشركات التكنولوجيا الكبرى. كما يفتح المجال أمام صناديق التحوط للاستفادة من الأسعار المرتفعة عبر بيع هذه الحماية وتحقيق عوائد أكبر.
وقال أندرو واينبرغ، مدير المحافظ في شركة “Saba Capital Management”، إن السوق الحالية توفر فرصًا نادرة في عقود مقايضة مخاطر الائتمان الخاصة بالشركات ذات التصنيف المرتفع. وأضاف أن السوق لا يعمل بكفاءة كاملة، ما يمنح المستثمرين فرصة لتحقيق أرباح قوية من الفجوات السعرية.
وتبرز شركة “ميتا” كواحدة من أبرز الأمثلة في هذا النشاط. إذ يتم تداول عقود الحماية الخاصة بها عند مستويات مرتفعة مقارنة بتصنيفها الائتماني القوي. ويعني ذلك أن المستثمرين الذين يبيعون الحماية يستطيعون تحقيق عوائد سنوية مرتفعة نسبيًا مع مخاطر محدودة.
وتحمل “ميتا” تصنيفًا ائتمانيًا قويًا من وكالات التصنيف العالمية، منها “إس آند بي غلوبال ريتنغز” و”موديز”. ورغم ذلك، تبقى تكلفة الحماية على ديونها أعلى من كثير من الشركات ذات التصنيفات الأقل، بسبب الطلب الكبير من البنوك.
ويشهد “بنك أوف أميركا” طفرة واضحة في تداول عقود مقايضة مخاطر الائتمان المرتبطة بشركات التكنولوجيا العملاقة. وأكد مات مانديل، رئيس تداول العقود الفردية في البنك، أن أحجام التداول ارتفعت عشرة أضعاف منذ بداية 2025.
وأوضح مانديل أن إدارات “تعديل تقييم الائتمان” داخل البنوك تقود الجزء الأكبر من هذا الطلب. وتسعى هذه الإدارات إلى توسيع خطوط التمويل وتجنب الوصول إلى حدود الانكشاف الائتماني المسموح بها.
كما ارتفعت أحجام التداول الخاصة بعقود “مايكروسوفت” و”أمازون” و”أوراكل” إلى مستويات قياسية خلال الربع الأول من العام الحالي. وتجاوزت التداولات مليارات الدولارات، في مؤشر واضح على تنامي شهية المستثمرين تجاه هذا النوع من الأدوات المالية.
وامتد النشاط كذلك إلى عقود “ميتا”، التي دخلت السوق حديثًا. فقد سجلت تداولات ضخمة خلال فترة قصيرة، ما يعكس الإقبال القوي من البنوك وصناديق التحوط ومديري الأصول.
ويتوقع محللون أن تصل تكلفة بناء البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي إلى نحو 5 تريليونات دولار بحلول 2030. وهذا الرقم الضخم قد يدفع شركات التكنولوجيا إلى مواصلة الاقتراض بوتيرة متسارعة خلال السنوات المقبلة.
ويؤدي التوسع العالمي في إصدار الديون إلى زيادة تعقيد عمليات التحوط. إذ بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في الاقتراض بعملات مختلفة، مثل اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني. ويجبر ذلك البنوك على استخدام المزيد من عقود الحماية للتحوط من تقلبات العملات والمخاطر المرتبطة بها.
كما تستخدم البنوك هذه العقود لحماية نفسها من الانكشاف غير المباشر على مشاريع مراكز البيانات والقروض المدعومة بوحدات معالجة الرسومات، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
ولا يقتصر الطلب على البنوك فقط. إذ يتزايد اهتمام مستثمري الأسهم ومديري الأصول بعقود مقايضة مخاطر الائتمان باعتبارها وسيلة منخفضة التكلفة للتحوط من تقلبات أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى.
وفي الوقت نفسه، أضافت “إس آند بي داو جونز للمؤشرات” شركات “ميتا” و”ألفابت” و”مايكروسوفت” إلى مؤشر “سي دي إكس” للدرجة الاستثمارية، ما يعكس تنامي أهمية شركات التكنولوجيا داخل أسواق الائتمان العالمية.
كما قدم “جيه بي مورغان تشيس” سلة جديدة من عقود مقايضة مخاطر الائتمان، تتيح للمتداولين المراهنة على ديون خمس من أكبر شركات التكنولوجيا العملاقة.
ويرى محللو “مورغان ستانلي” أن الطفرة الحالية في إصدارات الديون قد تزيد تركّز المخاطر داخل السوق، رغم الجودة الائتمانية القوية التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبرى.
وأشار المحللون إلى أن استمرار التوسع في الاقتراض قد يؤدي إلى تدهور تدريجي في جودة السوق الائتمانية، خاصة مع تركز الانكشاف في عدد محدود من الشركات العملاقة.
ويبدو أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد تؤثر في شركات التكنولوجيا فقط، بل أصبحت عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل أسواق التمويل والمشتقات الائتمانية حول العالم، وسط توقعات باستمرار هذا الزخم خلال السنوات المقبلة.








