AI بالعربي – متابعات
تشهد صناعة السينما العالمية مرحلة تحول عميقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، في مشهد يثير نقاشًا واسعًا حول مستقبل الإبداع البشري داخل واحدة من أكثر الصناعات ارتباطًا بالخيال الفني والابتكار السردي. فبعد أن كانت هذه التقنيات تُستخدم في نطاق محدود لتحسين المؤثرات البصرية أو تسريع عمليات المونتاج، أصبحت اليوم قادرة على أداء مهام أكثر تعقيدًا مثل توليد الأفكار الدرامية، وكتابة السيناريوهات الأولية، وتصميم الشخصيات الرقمية، بل وحتى إعادة إنتاج ملامح وأصوات نجوم عالميين بدرجة واقعية لافتة.
هذا التحول لا يقتصر على كونه تطورًا تقنيًا عابرًا، بل يمثل إعادة صياغة شاملة لآليات الإنتاج السينمائي. فالمشاريع التي كانت في الماضي تتطلب استثمارات مالية ضخمة واستوديوهات متخصصة بات بالإمكان تنفيذ نماذج أولية منها باستخدام أدوات رقمية متقدمة لا تتجاوز تكلفتها بضع عشرات من الدولارات. ونتيجة لذلك، بدأت تتشكل بيئة جديدة تسمح لصنّاع الأفلام المستقلين بالدخول إلى المجال بإمكانات أقل بكثير مما كان مطلوبًا في السابق.
غير أن هذا التطور السريع يفتح في المقابل بابًا واسعًا للتساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا داخل العملية الإبداعية. فبينما يرى البعض في هذه الأدوات فرصة لتحرير الخيال الفني ومنح المبدعين إمكانات غير مسبوقة للتجريب، يخشى آخرون أن يؤدي الاعتماد المفرط عليها إلى تقليص الدور الإنساني في صناعة الفن، وتحويل الإبداع إلى عملية تقنية تعتمد على الخوارزميات أكثر من التجربة البشرية.
في هذا السياق، يشير عدد من صناع الأفلام إلى أن دور المخرج نفسه بدأ يشهد تحولات لافتة. فبدلًا من الاكتفاء بإدارة فرق العمل الفنية والممثلين، أصبح المخرج في كثير من المشاريع الحديثة أشبه بقائد منظومة رقمية معقدة، ينسق بين أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة ويوجهها لتحقيق الرؤية البصرية والدرامية للعمل.
المخرج التونسي زبير الجلاصي، الحائز على الجائزة الكبرى في “جوائز الأفلام بالذكاء الاصطناعي” عن فيلمه “ليلي” (Lily)، يرى أن هذه الأدوات تمنح صناع الأفلام قدرًا هائلًا من الخيارات البصرية، لكنها لا تستطيع استبدال الحس الإنساني الذي يحدد الإيقاع العاطفي للمشهد. ويؤكد أن الخوارزميات قادرة على اقتراح عشرات الحلول البصرية في وقت قياسي، إلا أنها تفتقر إلى القدرة على فهم التأثير العاطفي الذي قد يحدثه اختيار زاوية كاميرا معينة أو توقيت موسيقي محدد في لحظة درامية حاسمة.
ويشرح الجلاصي أن تجربته في إنتاج فيلمه اعتمدت على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد عوالم بصرية متعددة واختبار أنماط فنية مختلفة، من بينها أسلوب بصري يحاكي ملمس الصلصال، غير أن القرارات الجوهرية المتعلقة بالسرد والإيقاع العاطفي بقيت في النهاية بيد الإنسان. وبحسب رأيه، فإن المخرج في العصر الرقمي لم يعد مجرد منفذ تقليدي، بل أصبح أقرب إلى مايسترو يقود مجموعة من الخوارزميات ويوجهها لخدمة هدف فني محدد.
ومع توسع قدرات هذه التقنيات، يتجدد النقاش حول مستقبل الوظائف الإبداعية داخل صناعة السينما. فإذا كانت الأنظمة الذكية قادرة على توليد نصوص أولية، وتصميم شخصيات رقمية، ومحاكاة الأداء البشري، فما هو الدور الذي سيبقى للمبدعين؟ يرى بعض الخبراء أن الإجابة لا تكمن في فكرة الاستبدال الكامل، بل في إعادة توزيع الأدوار داخل العملية الإنتاجية. فالتكنولوجيا قد تتولى المهام التقنية المتكررة أو الحسابية، بينما يبقى الجانب الإبداعي المرتبط بالتجربة الإنسانية والخيال العاطفي عنصرًا يصعب استنساخه آليًا.
لكن القلق داخل الصناعة لم يعد نظريًا فحسب. فقد أثار مقطع فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يظهر النجمين توم كروز وبراد بيت في مشهد قتال متقن ضجة واسعة داخل الأوساط السينمائية، رغم أن النجمين لم يشاركا فعليًا في إنتاج هذا المشهد. وقد تم تصميم الفيديو باستخدام نموذج “Seedance 2.0” الذي طورته شركة “ByteDance” الصينية، وهو ما كشف عن المستوى المتقدم الذي وصلت إليه تقنيات التوليد البصري الحديثة.
هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة قضية حقوق استخدام صورة الممثلين وصوتهم في العصر الرقمي. فمع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وانتشارها بين المستخدمين العاديين، أصبح من الصعب عمليًا السيطرة الكاملة على إعادة إنتاج ملامح النجوم أو تقليد أصواتهم. لذلك بدأت تظهر مقترحات تدعو إلى تطوير نظام قانوني يسمح بترخيص ما يعرف بالبصمة الرقمية للممثلين، بحيث يمكن استخدام صورهم أو أصواتهم ضمن إطار قانوني واضح يضمن حصولهم على عوائد مالية مقابل ذلك.
من زاوية أخرى، يرى الباحث في تقنيات صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي كيفن تشانغ أن التحول الجاري يتجاوز مجرد إدخال أدوات جديدة إلى عملية الإنتاج، ليصل إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل الصناعة نفسها. فالتكنولوجيا لا تغير الأدوات فحسب، بل تعيد رسم العلاقة بين رأس المال والإبداع داخل منظومة الإنتاج السينمائي.
ويشير تشانغ إلى أن إضرابات هوليوود التي شهدها عام 2023 كشفت حجم القلق لدى العاملين في الصناعة من احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي لاستبدال بعض الوظائف الإبداعية دون ضوابط واضحة. وقد دفعت هذه المخاوف النقابات المهنية إلى إدراج مسألة تنظيم استخدام هذه التقنيات ضمن أولويات المفاوضات مع الاستوديوهات الكبرى، في محاولة لضمان بقاء العنصر البشري في قلب العملية الإبداعية.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز سؤال آخر يتعلق بمستقبل الاستوديوهات التقليدية. فهل ستتمكن هذه المؤسسات من الحفاظ على موقعها في صناعة باتت الأدوات الرقمية فيها متاحة بشكل متزايد لصناع المحتوى المستقلين؟ يرى بعض المراقبين أن انخفاض تكاليف الإنتاج قد يمنح المبدعين المستقلين فرصة غير مسبوقة لدخول السوق وتقديم مشاريعهم دون الحاجة إلى ميزانيات ضخمة.
ومع ذلك، يشير خبراء الصناعة إلى أن موازين القوة لا تتغير بهذه البساطة. فالشركات التي تمتلك النماذج الحاسوبية المتقدمة والبيانات الضخمة ومنصات التوزيع الرقمية ما زالت تملك نفوذًا كبيرًا في تحديد مسار السوق. وقد بدأت بعض الاستوديوهات بالفعل في عقد شراكات مع شركات التكنولوجيا للاستفادة من هذه الأدوات بدلًا من مقاومتها، في محاولة للتكيف مع التحول الرقمي الجاري.
على الصعيد الاقتصادي، يعتقد محللون أن نموذج التمويل في هوليوود قد يشهد تغيرات تدريجية في السنوات المقبلة. فمع انخفاض تكاليف الإنتاج وتسارع عمليات التطوير، قد تصبح الاستثمارات الضخمة في عدد محدود من الأفلام أقل جاذبية مقارنة بتوزيع رأس المال على عدد أكبر من المشاريع المتوسطة. هذا التحول قد يدفع الاستوديوهات إلى اعتماد ما يشبه استراتيجية المحافظ الاستثمارية، حيث يتم تنويع الإنتاج لتقليل المخاطر وزيادة فرص النجاح.
كما أن القيمة داخل الصناعة قد لا تقتصر مستقبلًا على الأفلام نفسها، بل قد تمتد إلى الأدوات التكنولوجية التي تتيح إنتاج هذه الأفلام بسرعة أكبر وتكلفة أقل. فالشركات التي تمتلك منصات الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تتحول إلى لاعب أساسي في اقتصاد السينما، تمامًا كما حدث مع شركات المؤثرات البصرية في العقود الماضية.
في النهاية، يتفق كثير من الخبراء على أن القضية لا تتعلق بوجود الذكاء الاصطناعي داخل السينما من عدمه، بل بالطريقة التي سيتم من خلالها تنظيم استخدامه. فإذا بقي القرار الإبداعي النهائي بيد الإنسان، مع وجود أطر قانونية واضحة لحماية الحقوق الفكرية وصور الفنانين، يمكن لهذه التكنولوجيا أن تتحول إلى أداة توسع حدود الخيال السينمائي وتفتح آفاقًا جديدة للسرد البصري. أما إذا جرى استخدامها بشكل يركز فقط على تقليل التكاليف وتسريع الإنتاج، فقد تحقق الصناعة مكاسب اقتصادية سريعة، لكنها قد تخاطر في الوقت نفسه بفقدان تلك اللمسة الإنسانية التي جعلت السينما فنًا قادرًا على التأثير في مشاعر الجمهور منذ أكثر من قرن.








