أبحاث أكاديمية: الذكاء الاصطناعي يعجز عن فهم بعض قرارات المستثمرين

AI بالعربي – متابعات

تشهد أسواق المال العالمية تحولًا واضحًا مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الاستثمارات وتحليل البيانات المالية. أصبحت الخوارزميات قادرة على فحص كميات ضخمة من المعلومات خلال ثوانٍ قليلة. لذلك بدأ كثير من مديري الصناديق يتساءلون عن مستقبل دورهم في ظل هذه التطورات السريعة.

لكن دراسات أكاديمية حديثة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته الكبيرة، لا يزال يواجه حدودًا واضحة في بعض جوانب اتخاذ القرار الاستثماري. هذه الحدود تمنح المستثمرين البشريين مساحة حقيقية لتحقيق عوائد إضافية تفوق أداء الآلات في بعض الحالات.

تشير المؤشرات الحديثة في الأسواق إلى أن المستثمرين بدأوا يميزون بين الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتلك التي قد تتضرر منه. ارتفعت أسهم الشركات التي تطور الأجهزة والبرمجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. في المقابل تراجعت أسهم شركات تعتمد نماذج أعمال قد تتعرض لضغوط بسبب هذه التقنيات.

هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملًا مؤثرًا في تقييم الشركات. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الخوارزميات قادرة على السيطرة الكاملة على قرارات الاستثمار.

اهتم الأكاديميون وشركات التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة بدراسة قدرة النماذج الذكية على اختيار الأسهم وإدارة المحافظ. تسعى هذه الأبحاث إلى معرفة ما إذا كانت الآلات تستطيع التفوق على المستثمرين البشر في تحليل الأسواق المالية.

من بين أكثر الدراسات شمولًا ورقة بحثية حديثة صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية NBER. أعد الدراسة الأستاذ المساعد في جامعة بوسطن بيترو بيني مع فريق من الباحثين.

اختبر الباحثون أربعة نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي التوليدي. شملت النماذج GPT وClaude وGemini وLlama. طُلب من هذه النماذج الإجابة عن أسئلة تقيس التحيزات السلوكية في الاقتصاد والتمويل.

ركزت التجربة على معرفة ما إذا كانت هذه النماذج تقدم إجابات منطقية. كما حاول الباحثون معرفة مدى وقوعها في التحيزات التي يقع فيها البشر عادة عند اتخاذ القرارات المالية.

أظهرت النتائج نمطًا مثيرًا للاهتمام. تفوقت النماذج الذكية في المسائل التي تعتمد على قواعد إحصائية واضحة. تمكنت من تقديم إجابات دقيقة في حالات مثل مغالطة المقامر أو إهمال معدل الأساس.

تعتمد هذه المسائل على معادلات رياضية محددة. لذلك يستطيع الذكاء الاصطناعي حلها بكفاءة عالية. في هذه الحالات قد يتفوق على المستثمر البشري الذي يتأثر أحيانًا بالانحيازات النفسية.

لكن الصورة تختلف عندما تتعلق القرارات الاستثمارية بعوامل غير كمية. تظهر هنا حدود واضحة لقدرات الذكاء الاصطناعي.

تحتاج بعض القرارات المالية إلى تقدير نوعي يعتمد على الخبرة والسياق. لا توفر البيانات دائمًا إجابة رياضية واضحة. عند هذه النقطة يعتمد النموذج على بيانات التدريب.

المشكلة أن معظم هذه البيانات من إنتاج البشر. لذلك تحمل هذه البيانات التحيزات نفسها التي تظهر في القرارات البشرية. ينتج عن ذلك ما يصفه الباحثون بقاعدة “مدخلات رديئة تؤدي إلى مخرجات رديئة”.

عندما يواجه النموذج موقفًا معقدًا لا يمكن حله بالمعادلات، يبدأ في محاكاة الأنماط البشرية. لذلك قد يقع في التحيزات نفسها التي تؤثر في المستثمرين.

هذا القيد يفتح مجالًا مهمًا أمام المستثمرين البشر. تظهر الفرص الاستثمارية غالبًا في المناطق التي يكثر فيها الغموض وعدم اليقين.

تناولت دراسة أخرى هذه المسألة من زاوية مختلفة. أجرى البحث لورين كوهين من كلية هارفارد للأعمال مع فريق من الباحثين.

درّب الباحثون نماذج ذكاء اصطناعي على بيانات آلاف مديري الصناديق في السوق الأميركية. هدفت التجربة إلى معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع التنبؤ بقرارات هؤلاء المديرين.

حاول النموذج توقع الأسهم التي سيشتريها أو يبيعها أو يحتفظ بها مديرو الصناديق في الفترات القادمة. شملت التوقعات أفقًا زمنيًا يمتد إلى عدة أرباع مالية.

أظهرت النتائج أن الذكاء الاصطناعي تمكن من توقع نحو 71 في المئة من الصفقات المستقبلية. تعكس هذه النسبة قدرة الخوارزميات على تحليل الأنماط المتكررة في سلوك المستثمرين.

لكن المفاجأة ظهرت في الجانب الآخر من النتائج. جاءت معظم عوائد مديري الصناديق من الصفقات التي لم يتمكن النموذج من توقعها. شكلت هذه الصفقات نحو 29% من إجمالي القرارات.

تكشف هذه النتيجة نقطة مهمة في العلاقة بين البشر والآلات في عالم الاستثمار. يمكن للخوارزميات تحليل الأنماط الواضحة بسهولة. لكنها تجد صعوبة في فهم القرارات التي تعتمد على عوامل غير قابلة للقياس بسهولة.

يختلف مديرو الصناديق في أساليبهم الاستثمارية. يعتمد بعضهم على قواعد صارمة وثابتة. يتبع هؤلاء عمليات استثمارية واضحة يمكن تتبعها بسهولة.

تميل هذه الصناديق إلى شراء الأسهم التي تتوافق بوضوح مع استراتيجية معينة. مثال ذلك صناديق القيمة التي تركز على الشركات منخفضة التقييم.

في هذه الحالة يصبح سلوك المدير قابلًا للتنبؤ. يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف النمط بسرعة وتحليل القرارات المستقبلية.

لكن توجد فئة أخرى من مديري الصناديق تعتمد على تقييمات أكثر تعقيدًا. يستخدم هؤلاء الخبرة الشخصية لفهم الظروف النوعية للشركات.

قد تكون شركة معينة تبدو رخيصة في نظر السوق. لكن المشكلة قد تكون في الإدارة أو المنافسة أو التغيرات التنظيمية. هذه العوامل يصعب قياسها عبر البيانات الرقمية.

عندما يلاحظ مدير الصندوق عاملًا نوعيًا لا يظهر في البيانات، يصبح القرار غير متوقع بالنسبة للخوارزميات. هنا تظهر ميزة الخبرة البشرية في تفسير المعلومات غير المكتملة.

إذا تبين لاحقًا أن هذا التقييم صحيح، فقد ترتفع قيمة السهم بشكل كبير. يحدث ذلك عندما يدرك بقية المستثمرين الإمكانات الكامنة في الشركة.

تشير الدراسات إلى أن مديري الصناديق الذين يصعب توقع قراراتهم يحققون أداء أفضل في كثير من الأحيان. يعود ذلك إلى قدرتهم على التعامل مع المعلومات غير المنظمة والعوامل النوعية.

تعكس هذه الظاهرة فكرة أساسية في عالم الاستثمار. غالبًا ما تنشأ الفرص الحقيقية في المناطق التي يصعب فيها التنبؤ بالنتائج.

لكن هذه الأفضلية البشرية قد لا تستمر إلى الأبد. تتطور نماذج الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة. تتعلم هذه الأنظمة من مجموعات بيانات أوسع وأكثر تنوعًا.

مع مرور الوقت قد تتمكن الخوارزميات من فهم الأنماط المعقدة التي يصعب تحليلها حاليًا. قد تقل بذلك المساحة التي يستفيد منها المستثمرون البشر.

مع ذلك، تشير الدراسات الحالية إلى أن دور الإنسان لا يزال مهمًا في أسواق المال. تظل الخبرة البشرية عنصرًا أساسيًا في تفسير الأحداث الاقتصادية المعقدة.

يمتلك المستثمر البشري قدرة فريدة على الربط بين السياقات المختلفة. يستطيع فهم العوامل السياسية والتنظيمية والاجتماعية التي تؤثر في الشركات.

لا تستطيع النماذج الحالية استيعاب هذه العوامل بالعمق نفسه. تعتمد الخوارزميات غالبًا على البيانات التاريخية المتاحة.

لهذا السبب يرى بعض الخبراء أن العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في الاستثمار لن تكون علاقة استبدال كامل. بل ستتحول إلى علاقة تكامل بين الطرفين.

يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات الضخمة بسرعة كبيرة. في المقابل يستطيع المستثمر البشري تفسير النتائج ووضعها في سياق أوسع.

يشير هذا التكامل إلى مستقبل مختلف لصناعة إدارة الأصول. لن يختفي دور مديري الصناديق. لكنه سيتغير مع تطور الأدوات الرقمية.

في عصر الذكاء الاصطناعي قد يصبح التفوق الحقيقي مرتبطًا بقدرة المستثمر على فهم ما لا تستطيع الآلة تفسيره. يظل النجاح في الأسواق المالية مرتبطًا بمهارة التنبؤ بما يبدو غير قابل للتنبؤ.

Related Posts

دراسة تحذر من إرهاق الدماغ بسبب الإفراط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

AI بالعربي – متابعات أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا ثابتًا في بيئات العمل الحديثة. يعتمد عليها الموظفون في إنجاز المهام اليومية وتسريع الإنتاجية. ويستخدمها المبرمجون والمحاسبون والمسوقون وموظفو الموارد البشرية…

الحكومة الأميركية تدرس فرض ترخيص دائم على شركات الذكاء الاصطناعي المتعاقدة معها

AI بالعربي – متابعات تتجه الحكومة الأميركية نحو توسيع سيطرتها على تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر مسودة تنظيمية جديدة قد تغيّر شكل العلاقة بين الدولة وشركات التكنولوجيا في السنوات المقبلة، إذ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

  • نوفمبر 29, 2025
  • 379 views
الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

  • نوفمبر 22, 2025
  • 403 views
الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

  • نوفمبر 10, 2025
  • 514 views
الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

  • نوفمبر 8, 2025
  • 570 views
في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

  • أكتوبر 30, 2025
  • 572 views
“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر

  • أكتوبر 12, 2025
  • 662 views
الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر