AI بالعربي – متابعات
تشهد صناعة السكك الحديدية في الصين تحولًا تقنيًا متسارعًا مع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل التصميم والتصنيع والفحص، في خطوة تعكس توجه البلاد نحو بناء منظومة صناعية ذكية تعتمد على البيانات والتحليل الآلي. ويبرز هذا التحول بشكل واضح في تطوير القطار فائق السرعة “فوشينغ CR450″، الذي يمثل أحدث جيل من القطارات الصينية المتقدمة، ويعتمد على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج والتشغيل، بهدف رفع الكفاءة الصناعية وتحسين مستويات السلامة والجودة في منظومة النقل الحديثة.
ويقود هذا التوجه المهندس الصيني فنغ جيانغهوا، عضو المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني وعضو الأكاديمية الصينية للهندسة، الذي يُعد أحد أبرز العلماء العاملين على دمج الذكاء الاصطناعي في قطاع معدات النقل بالسكك الحديدية. ويقود فنغ فريق البحث والتطوير الأساسي لمشروع القطار “CR450″، حيث يعمل الفريق على تطوير أنظمة تصنيع ذكية تعتمد على تحليل البيانات الصناعية، وتوظيف الخوارزميات المتقدمة لتحسين جودة الإنتاج وتقليل الأخطاء الصناعية، وهو ما يجعل المشروع أحد أبرز نماذج التحول الرقمي في الصناعة الصينية الثقيلة.
وتُعد مدينة تشوتشو الواقعة في مقاطعة هونان مركزًا رئيسيًا لصناعة معدات السكك الحديدية في الصين، حيث تُعرف منذ عقود بأنها مهد القاطرات الكهربائية الحديثة في البلاد. وتضم المدينة أكبر منظومة صناعية متكاملة لإنتاج معدات السكك الحديدية، إذ تحتضن مجمعات صناعية ضخمة تجمع بين مصانع القاطرات ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا المتخصصة. وتتميز هذه المنظومة بقدرتها على تجميع عشرات الآلاف من المكونات الصناعية اللازمة لإنتاج قاطرة كهربائية في وقت قياسي، وهو ما يعكس مستوى التكامل الصناعي والتقدم التقني الذي وصلت إليه الصناعة الصينية في هذا القطاع الحيوي.
وقبل انعقاد الدورتين السياسيتين السنويتين لعام 2026، أجرى فنغ جيانغهوا زيارة ميدانية إلى مجمع تشوتشو الصناعي للنقل بالسكك الحديدية، حيث التقى فرق الفحص الميداني المسؤولة عن اختبار لحامات القطارات فائقة السرعة. وخلال هذه الزيارة ركز النقاش على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة الفحص الصناعي وتقليل ما يُعرف بالنتائج الإيجابية الخاطئة، وهي الحالات التي تشير فيها أنظمة الفحص إلى وجود خلل رغم عدم وجوده فعليًا. ويُعد تحسين دقة هذه الأنظمة أحد التحديات التقنية المهمة في تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل المصانع، خاصة في الصناعات الثقيلة التي تتطلب مستويات عالية جدًا من الدقة والسلامة.
وقد نجح الفريق البحثي الذي يقوده فنغ في تطوير أنظمة فحص ذكية تعتمد على تحليل الصور الصناعية باستخدام خوارزميات تعلم الآلة، حيث تقوم هذه الأنظمة بتحليل صور اللحامات والمكونات المعدنية في القطارات فائقة السرعة، ثم تقارنها بنماذج بيانات ضخمة لاكتشاف العيوب المحتملة بدقة عالية. ووفق بيانات شركة CRRC الصينية، أسهم إدخال هذه التقنيات في رفع كفاءة فحص لحامات وحدات القطارات الكهربائية بما يصل إلى 20 ضعفًا مقارنة بالطرق التقليدية المعتمدة على الفحص البشري فقط، وهو ما يعكس التأثير الكبير للذكاء الاصطناعي في تحسين العمليات الصناعية المعقدة.
ولا يقتصر دور فنغ جيانغهوا على قيادة الأبحاث التقنية فقط، بل يمتد أيضًا إلى تطوير الكفاءات البشرية في مجال التصنيع الذكي. فمن خلال ورشته الأكاديمية المتخصصة، يعمل على تنظيم برامج تدريبية ميدانية للباحثين الشباب والمهندسين الجدد، بهدف نقل الخبرات العملية وتعزيز قدراتهم في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المصانع. وقد أسهمت هذه البرامج خلال عام واحد فقط في تخريج 17 خبيرًا تقنيًا على مستوى المقاطعات الصينية، كما تمكن فريق بحثي يقوده أحد الباحثين الشباب من مواليد التسعينيات من الفوز بالميدالية الذهبية في مسابقة دولية متخصصة بعنوان “الذكاء الاصطناعي + المحاكاة”، وهو إنجاز يعكس قوة الجيل الجديد من الباحثين في هذا المجال.
وفي إطار سعيه لتعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والصناعية، أجرى فنغ جيانغهوا خلال العام الماضي جولات بحثية واسعة شملت أكثر من عشر مقاطعات صينية، إضافة إلى زيارة ما يزيد عن ثلاثين جامعة ومعهدًا بحثيًا. وركزت هذه الزيارات على دراسة التحديات التقنية التي تواجه دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الثقيلة، خاصة في القطاعات التي تتطلب دقة تصنيع عالية مثل صناعة القطارات فائقة السرعة. كما هدفت هذه الجولات إلى بناء شبكات تعاون بحثي تسهم في نقل الابتكارات من المختبرات الجامعية إلى خطوط الإنتاج داخل المصانع.
ومن أبرز المبادرات الصناعية التي شارك فنغ في تطويرها إطلاق نموذج صناعي واسع النطاق يُعرف باسم “نموذج صناعة العجلات”، وهو نظام ذكي يغطي 13 سيناريو تشغيليًا داخل مصانع السكك الحديدية. ويعتمد هذا النموذج على تحليل البيانات الصناعية في الوقت الحقيقي، ما يسمح بمراقبة عمليات الإنتاج بشكل مستمر والتنبؤ بالأعطال المحتملة قبل وقوعها. ويساعد هذا النظام الشركات الصناعية على تحسين كفاءة التشغيل وتقليل التكاليف المرتبطة بالأعطال المفاجئة، وهو ما يعد أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع.
وفي خطوة أخرى تعكس توجه الصين نحو تعزيز الابتكار المحلي، شارك فنغ جيانغهوا في دعم إنشاء مختبر مشترك بين شركة CRRC وشركة هواوي لتطوير رقائق ذكاء اصطناعي مخصصة لقطاع النقل بالسكك الحديدية. ويركز هذا المختبر على تطوير معالجات متخصصة قادرة على تشغيل الأنظمة الذكية المستخدمة في القطارات والبنية التحتية للنقل، مثل أنظمة الفحص الآلي والصيانة التنبؤية وإدارة البيانات الصناعية. وتشير التوقعات إلى أن الإنتاج الضخم لأول رقاقة ذكاء اصطناعي مخصصة لهذا القطاع سيبدأ خلال عام 2026، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد على التقنيات الأجنبية في الصناعات الاستراتيجية.
كما يؤكد فنغ جيانغهوا أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على قطاع السكك الحديدية فقط، بل تمتد إلى قطاعات صناعية أخرى مثل معدات الطاقة الجديدة ومركبات الطاقة النظيفة. وقد بدأت العديد من الشركات الصينية بالفعل في تطبيق مبادرات تعرف باسم “الذكاء الاصطناعي +”، وهي برامج تهدف إلى دمج التقنيات الذكية في مختلف مراحل الإنتاج الصناعي، بدءًا من التصميم مرورًا بالتصنيع وحتى الصيانة التشغيلية.
ويرى فنغ أن مستقبل الشركات الصناعية في الصين يعتمد بشكل كبير على تحقيق الاكتفاء الذاتي في التقنيات المتقدمة، خاصة في ظل المنافسة التكنولوجية العالمية المتزايدة. ويؤكد أن امتلاك التكنولوجيا لا يكفي وحده، بل يجب تطويرها باستمرار وتحسينها بوتيرة أسرع من المنافسين الدوليين، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة في البحث العلمي وتطوير الكفاءات البشرية.
ومن هذا المنطلق، يسعى فنغ خلال الدورتين السياسيتين السنويتين هذا العام إلى تقديم مقترحات جديدة تدعم الابتكار الصناعي وتعزز دور الشركات في تطوير التقنيات المتقدمة محليًا. ويركز في مقترحاته على تعزيز القيادة التقنية للمؤسسات الصناعية، وتحقيق سيطرة مستقلة على التقنيات الأساسية التي تشكل مستقبل الصناعات الحديثة.
ومع استمرار الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي، تبدو صناعة السكك الحديدية الصينية على أعتاب مرحلة جديدة تعتمد على الأتمتة والتحليل الذكي للبيانات، وهو ما قد يمنح الصين مزيدًا من التفوق في سباق تطوير أنظمة النقل فائقة السرعة على مستوى العالم.








