AI بالعربي – متابعات
يتسارع حضور الذكاء الاصطناعي داخل المكاتب حول العالم، ويثير نقاشًا واسعًا حول مستقبل الوظائف المكتبية. تتحدث مؤسسات مالية كبرى ومديرو شركات تقنية عن تغيرات عميقة. لكن البيانات الحديثة ترسم صورة أكثر توازنًا. فهي تشير إلى إعادة تشكيل العمل أكثر من إلغائه.
تحذيرات قادة الاقتصاد والتقنية
تقول كريستالينا جورجييفا، رئيسة صندوق النقد الدولي، إن الذكاء الاصطناعي قد يضرب سوق العمل “مثل تسونامي”. ويشير جيمي دايمون من “جي بي مورغان تشيس” إلى حاجة أقل للموظفين مستقبلًا. ويحذر داريو أمودي من شركة Anthropic من خطر يطال وظائف المبتدئين المكتبية.
هذه التصريحات تعكس قلقًا حقيقيًا داخل الأسواق. لكنها لا تمثل الصورة الكاملة لسوق العمل. فالتغير التكنولوجي تاريخيًا حمل مخاوف مشابهة.
نمو مستمر في وظائف الياقات البيضاء
تظهر بيانات سوق العمل أن الوظائف المكتبية لم تنهَر. فقد أضاف الاقتصاد الأميركي نحو ثلاثة ملايين وظيفة مكتبية منذ أواخر 2022. شمل النمو الإدارة والمهن المتخصصة والمبيعات والأعمال المكتبية.
في المقابل، بقي توظيف العمالة اليدوية شبه ثابت. هذا الاتجاه يعكس طلبًا مستمرًا على المهارات المعرفية. كما يعكس توسع قطاعات تعتمد على المعرفة.
مهن مهددة تحقق نموًا
بعض المهن التي وُصفت بالمعرّضة للأتمتة سجلت نموًا واضحًا. زاد عدد مطوري البرمجيات بنحو سبعة في المئة. وارتفع عدد اختصاصيي الأشعة بعشرة في المئة. كما نما عدد المساعدين القانونيين بأكثر من عشرين في المئة.
يرتبط تباطؤ توظيف المبتدئين غالبًا بأسعار الفائدة وتقلبات الأعمال. لا يرتبط التباطؤ بالذكاء الاصطناعي وحده. هذا التفصيل مهم لفهم المشهد بدقة.
الأجور تحافظ على قوتها
لم تُظهر الأجور تراجعًا واسعًا. بل سجلت ارتفاعًا ملحوظًا. ارتفعت الأجور الحقيقية في الخدمات المهنية والتجارية بنحو خمسة في المئة. وزادت رواتب الموظفين الإداريين والمكتبيين بنسبة أكبر.
وعند ضبط الفروق الديموغرافية، يتقاضى الموظفون المكتبيون دخلًا أعلى بوضوح. يصل الفارق إلى نحو الثلث مقارنة بالعمالة اليدوية. هذا الفارق يفوق مستويات الثمانينيات.
دروس من عصر الحوسبة
شهدت الثمانينيات مخاوف مشابهة. حذّر اقتصاديون من بطالة واسعة بسبب الحواسيب. لكن الواقع سار في اتجاه مختلف. فقد توسعت الوظائف الإدارية والمهنية والمبيعات.
ركزت الحواسيب على أتمتة المهام الروتينية. لم تُلغِ الوظائف بالكامل. بل رفعت الإنتاجية وحررت وقت العاملين. سمح ذلك بالتركيز على التحليل واتخاذ القرار.
من الأتمتة إلى الترقية الوظيفية
عندما تتكون الوظيفة من مهام متنوعة، يصعب استبدالها كليًا. عادة تُؤتمت أجزاء محددة فقط. ينتج عن ذلك ترقية لطبيعة العمل. ينتقل الموظف نحو مهام أعلى قيمة.
يظهر ذلك في مراقبة الحركة الجوية. تعالج الأنظمة البيانات بسرعة. لكن البشر يحتفظون بسلطة القرار. وترافق ذلك مع أجور أعلى.
إنتاجية أعلى تخلق وظائف جديدة
تخفض زيادة الإنتاجية التكاليف. هذا الخفض يفتح أنشطة جديدة مربحة. التجارة الإلكترونية خلقت وظائف في اللوجستيات والدفع الرقمي. والهواتف الذكية أنشأت سوق مطوري التطبيقات.
كما أوجدت المنصات الاجتماعية وظائف في التسويق الرقمي وصناعة المحتوى. تشير أبحاث ديرون أسيموغلو وباسكوال ريستريبو إلى أن نصف نمو العمالة جاء من وظائف جديدة. هذه الوظائف لم تكن موجودة سابقًا.
ذكاء قوي لكن غير متسق
الذكاء الاصطناعي الحالي أكثر تقدمًا من الأدوات الرقمية السابقة. لكنه يعاني ما يسمى “الذكاء المتقطع”. قد ينجح في معظم المهمة ويفشل في الحالات الاستثنائية. هذه الحالات غالبًا تحمل أعلى المخاطر.
لذلك تحتاج المؤسسات إلى إشراف بشري. لا يكفي أداء جيد في أغلب الوقت. تتطلب الأعمال المهنية موثوقية عالية.
محدودية الأتمتة الكاملة
تشير بيانات Anthropic إلى أن نسبة قليلة من الوظائف تعتمد بشدة على الذكاء الاصطناعي. نحو أربعة في المئة فقط تستخدمه في معظم مهامها. هذا الرقم يعني أن الأتمتة الكاملة نادرة.
يساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص والبرمجة والتحليل. لكنه لا يلغي الوظائف بالكامل. بل يغيّر طريقة تنفيذها.
أرقام حديثة عن التوظيف
حللت دراسات حديثة أكثر من مئة وظيفة مكتبية أميركية. أظهرت ارتفاع التوظيف بنحو أربعة في المئة منذ 2022. كما زادت الأجور الحقيقية بنسبة 3%.
حققت الوظائف التي تجمع الخبرة الفنية والإشراف أكبر المكاسب. ارتفع الطلب على مديري المشاريع وخبراء أمن المعلومات. وصل نمو بعض هذه المهن إلى نحو ثلاثين في المئة.
صعود مهارات حل المشكلات
يزداد الطلب على المهارات الرياضية والتحليلية. كما ترتفع أهمية التنسيق والرعاية الشخصية. هذه الأدوار تحتاج تفاعلًا بشريًا مباشرًا. يصعب على الأنظمة استبدالها.
في المقابل، تتراجع الأعمال المكتبية الروتينية. انخفض عدد موظفي التأمين والسكرتارية. يعود ذلك إلى قابلية مهامهم للأتمتة.
وظائف جديدة حول الذكاء الاصطناعي
يخلق الذكاء الاصطناعي أدوارًا جديدة. يظهر طلب على معلّقي البيانات ومديري الذكاء الاصطناعي. كما تحتاج الشركات مختصين لتطبيق الحلول الذكية. هذه الوظائف تنمو بسرعة.
سجلت وظائف الرياضيات وعلوم الحاسوب نموًا كبيرًا. كما ارتفعت أجورها بشكل واضح. وازداد عدد المتخصصين في تحليل الأعمال.
التحدي الأكبر للوظائف المبتدئة
تواجه الوظائف المبتدئة ضغطًا أكبر. خاصة الوظائف القائمة على مهام متكررة. تشير أبحاث إلى صعوبة انتقال بعض العاملين. يعود ذلك إلى محدودية المهارات القابلة للنقل.
لكن هذا لا يعني اختفاء الفرص. بل يعني ضرورة تطوير المهارات. التدريب المستمر يصبح عنصرًا حاسمًا.
تكامل الإنسان والآلة
تشير المعطيات إلى أن التكامل هو السيناريو الأرجح. يجمع المكتب الحديث قدرات الإنسان والحاسوب. يوفر الذكاء الاصطناعي السرعة والتحليل. ويقدم الإنسان الحكم والمسؤولية.
يحافظ العامل البشري على دوره المركزي. خاصة في القرارات الحساسة. لذلك يعيد الذكاء الاصطناعي رسم الوظائف. لكنه لا يقضي عليها.
بهذا المعنى، يقف سوق العمل أمام مرحلة انتقالية. من يتكيّف مبكرًا يحصد الفوائد. ومن يطوّر مهاراته يضمن مكانه في المستقبل المهني.








