صحافة بلا صحافيين!

صحافة بلا صحافيين!

د. ياسر عبدالعزيز

قبل أكثر من سنتين، طالعت في إحدى صفحات شبكة “الإنترنت”، التي تُسّوق أدوات “الذكاء الاصطناعي”، للمساعدة في كتابة المحتوى، هذه العبارة: “هل أنت كاتب تتطلع إلى توفير الوقت في البحث والصياغة؟ هل أنت محرّر تبحث عن طريقة لإنشاء محتوى مكتوب بسهولة؟ هل أنت ناشر ترغب في إضافة محتوى جديد إلى موقع “الويب” الخاص بك دون الحاجة إلى توظيف كُتّاب جدد؟ إذا كان أي من هؤلاء يصف حالتك، فإن هذا المنشور يناسبك. سنغطي أفضل مواقع الكتابة بـ”الذكاء الاصطناعي”، حتى تتمكن من البدء في إنشاء محتوى رائع اليوم”.

لم يكن مثل هذا الإعلان سوى ناقوس خطر يدق بقوة، ليُخبرنا أن صناعة الصحافة، بأنماطها المختلفة، وفنونها المتعددة، باتت هدفًا سهلاً لمفاعيل “الذكاء الاصطناعي”، بكل ما يعنيه ذلك من تغيير عالمها، وربما تقويض أركان إنتاجها، التي استقرت لعقود طويلة.

ينطوي هذا الإعلان، كما يتضح من قراءة سطوره ذات اللغة المباشرة والسهلة، على وعد قاطع وكامل بإنشاء صحيفة متكاملة، من دون الحاجة إلى صحافيين من البشر؛ أي وعد بصحافة بلا صحافيين.

لم يمر كثير من الوقت حتى قرأنا نتائج استطلاع رأي نظمه “معهد رويترز لدراسة الصحافة”، بالمشاركة مع جامعة أكسفورد، وهو الاستطلاع الذي أظهر توافقًا بين الخبراء المستطلعة آراؤهم على أن آليات “الذكاء الاصطناعي” الجديدة ستغيِّر طبيعة المحتوى المنشور تغييرًا حادًا، بل إن قطاعًا منهم أفاد بأنه بحلول عام 2026 سيكون نحو 90% من المحتوى المنشور على شبكة “الإنترنت” مُنتجًا بطريقة آلية.

لذلك، فلم يكن مستغربًا أن تعلن صحيفة “الـ فوجيو” الإيطالية عن مسابقة مثيرة للاهتمام بين قرائها، في شهر مارس 2023، وفي تلك المسابقة قررت الصحيفة أن تضع بين القصص التي تنشرها بانتظام عددًا من الموضوعات التي حصلت عليها عبر توظيف تقنيات “الذكاء الاصطناعي”، بينما يكمن التحدي في قدرة القراء على تمييز تلك الموضوعات، وعند قيام أحدهم بتحديدها على نحو صحيح سيكون بإمكانه الفوز باشتراك مجاني في الصحيفة. ويبدو أن تلك المسابقة لم تُثمر عددًا كبيرًا من الفائزين؛ إذ أخفق كثير من المتسابقين في تمييز المنتجات البشرية عن تلك الآلية.

لقد أدى وجود مثل تلك الإعلانات بكثرة على صفحات “الإنترنت”، والتحسينات المتتالية التي تجري على أدوات “الذكاء الاصطناعي” المختلفة، وتنوعها وتعددها، إلى تحفيز بعض العاملين في قطاع الإعلام على اختبار قدرة هذا المُنتج الجديد على الوفاء بمتطلبات العمل الصحافي، وتجنيب الناشرين إنفاق الجهد والوقت والمال لتدبيج المحتوى الذي يُقدم للجمهور.

ومن بين هؤلاء الذين تحمسوا لتجربة منتجات “الذكاء الاصطناعي” ليحل مكان الصحافي البشري، ستبرز صحيفة “إيل فوليو Il Foglio” الإيطالية، التي دشنت تجربة وُصفت بأنها “اختراق عالمي”، يوم الثلاثاء الماضي، حين قررت أن تصدر، على مدى شهر كامل، في أعداد مُعدة بالكامل بواسطة “الذكاء الاصطناعي”.

تطبع “إيل فوليو” يوميًا نحو 29 ألف نسخة، وتُصنف نفسها على أنها “صحيفة جريئة”، تقدم المحتوى للجمهور بـ”طابعها الخاص”، ورغم ذلك؛ فإنها لم تجد في قيامها بهذه الخطوة مخاطرة من أي نوع، بل على العكس تمامًا، فقد احتفلت بزيادة قرائها بنسبة 60% نتيجة لتجربتها تلك، وعندما سعت إلى استطلاع آراء القراء فيما أقدمت عليه، تبيَّن لها أن 90% منهم “استمتعوا بالتجربة”، وفق ما أكد مديرها كلاوديو تشيرازا.

يشرح تشيرازا في مقابلة صحافية ما فعلته صحيفته لخوض تجربتها المثيرة؛ فيقول إن صحافيي الجريدة البشريين عقدوا اجتماع التحرير اليومي الاعتيادي، وبدلاً من الانطلاق لتنفيذ الأفكار التي توصلوا إليها، فإنهم كلَّفوا ChatGPT بإنجازها، بعدما زوَّدوه بتعليمات تخص المواضيع المُختارة، ونبرة المعالجة المطلوبة؛ فنفَّذ المطلوب، وأنجز صحيفة في أربع صفحات، تتضمن 22 موضوعًا، في مجالات السياسة والأعمال والموضة، ومعها ثلاث مقالات رأي تتناول قضايا مختلفة.

يؤكد تشيرازا أن تلك التجربة المثيرة عمل إيجابي يستهدف رفد الصحافة بقيمة جديدة تعتمد على الابتكار والمُستحدثات التكنولوجية، وأنها تهدف إلى “إنعاش الصحافة لا قتلها”، لكنه مع ذلك لم يخبرنا بما إذا كان سيستمر في الاعتماد على “الذكاء الاصطناعي” إذا نجحت تلك التجربة، كما لم يخبرنا عن مصير الصحافيين البشريين في هذه الحال.

تلك مؤشرات واضحة وصادمة في آن. “الذكاء الاصطناعي” في طريقه ليحل محل البشر في صناعة الصحافة، وهو يفعل ذلك بشغف ونهم شديدين، ويتقدم باطراد. والأمل ألا يكون ذلك على حساب قيم والتزامات أساسية في صناعة الصحافة، التي يبدو أن البعض يراها مُمكنة من دون صحافيين.

Related Posts

رئيس مايكروسوفت: 2026 عام تحوّل الذكاء الاصطناعي من الوعود إلى التأثير الفعلي

AI بالعربي – متابعات وصف ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، عام 2026 بأنه السنة الفاصلة التي ينتقل فيها الذكاء الاصطناعي من كونه موضوعا للنقاش النظري، إلى قوة عملية تحدث…

خبراء يتوقعون تحولًا جذريًا في صناعة الأخبار مع هيمنة الذكاء الاصطناعي في 2026

AI بالعربي – متابعات مع دخول العالم عامه الثالث منذ إطلاق ChatGPT وتسارع تأثيراته، يواجه قطاع الصحافة العالمية تحولات هيكلية عميقة تمس جوهر إنتاج الأخبار واستهلاكها. وفي أحدث تقارير الاستشراف،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

  • نوفمبر 29, 2025
  • 186 views
الذكاء الاصطناعي يشكل اقتصاداتنا.. ما النتائج؟

الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

  • نوفمبر 22, 2025
  • 226 views
الذكاء الاصطناعي يؤجج حرب التضليل الإعلامي

الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

  • نوفمبر 10, 2025
  • 313 views
الذكاء الاصطناعي أَضحى بالفعل ذكيًا

في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

  • نوفمبر 8, 2025
  • 324 views
في زمن التنظيمات: هل تستطيع السعودية أن تكتب قواعد لعبة الذكاء الاصطناعي؟

“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

  • أكتوبر 30, 2025
  • 348 views
“تنانين الذكاء الاصطناعي” في الصين وغزو العالم

الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر

  • أكتوبر 12, 2025
  • 468 views
الذكاء الاصطناعي في الحياة المعاصرة.. ثورة علمية بين الأمل والمخاطر