AI بالعربي – متابعات
أثار تصريح للرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت نقاشًا واسعًا حول مستقبل الوظائف المكتبية، بعد أن أكد أن الذكاء الاصطناعي قد يؤتمت معظم مهام الياقات البيضاء خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرًا، وفق ما نقلته صحيفة فاينانشال تايمز، وهو طرح أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول علاقة التقنية بسوق العمل، لكنه هذه المرة يأتي في ظل طفرة غير مسبوقة في قدرات النماذج التوليدية وانتشارها داخل المؤسسات.
تسارع غير مسبوق في قدرات الذكاء الاصطناعي
تشهد تقنيات الذكاء الاصطناعي قفزات متتالية في الفهم اللغوي والتحليل واتخاذ القرار، حيث تطور شركات كبرى مثل مايكروسوفت وجوجل وOpenAI نماذج قادرة على معالجة كم هائل من النصوص والبيانات في وقت قصير، ولا يقتصر دورها على التلخيص أو الاقتراح، بل يمتد إلى تنفيذ مهام كاملة داخل سير العمل اليومي، ما يجعلها أقرب إلى شريك تنفيذي رقمي داخل المكاتب، وليس مجرد أداة مساعدة تقليدية كما كان الحال قبل سنوات قليلة.
هذا التطور السريع يجعل تقديرات الأتمتة أكثر جرأة من السابق، إذ ترى قيادات تقنية أن ما كان يحتاج فرقًا كاملة يمكن أن ينجزه نظام ذكي واحد، خاصة في الأعمال التي تعتمد على المعلومات المنظمة والتحليل المتكرر، وهو ما يفسر الحديث عن قرب تأثر طيف واسع من الوظائف المكتبية.
وظائف الياقات البيضاء في دائرة التأثير
تشمل الوظائف المرشحة للتأثر مجالات القانون والمحاسبة وإدارة المشاريع والتسويق والتحليل المالي، إضافة إلى محللي البيانات ومهندسي البرمجيات وبعض الأدوار الإدارية والطبية المكتبية، فهذه المهن تعتمد بدرجة كبيرة على جمع المعلومات وتحليلها وإعداد تقارير أو توصيات، وهي مهام تتقنها الأنظمة الذكية بصورة متزايدة.
لكن الحديث عن الأتمتة لا يعني اختفاء هذه الوظائف فورًا، بل يشير إلى تغير عميق في طبيعتها، حيث قد يتراجع الوقت المخصص للمهام الروتينية، مقابل زيادة التركيز على الإشراف واتخاذ القرار النهائي والتعامل مع الحالات المعقدة التي تتطلب حكمًا بشريًا وسياقًا أوسع.
من الأتمتة الجزئية إلى الأتمتة المتقدمة
عرفت المؤسسات الأتمتة منذ عقود عبر برامج المحاسبة وأنظمة الموارد البشرية، غير أن المرحلة الحالية تختلف في عمقها، لأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يستطيع تنفيذ سلاسل كاملة من المهام المترابطة، فيمكنه إعداد تقرير مالي ثم تحليله ثم اقتراح مسارات قرار، أو مراجعة عقد قانوني مع رصد المخاطر المحتملة، وكل ذلك بسرعة عالية.
هذا الانتقال من الأتمتة الجزئية إلى الأتمتة المتقدمة يقلل الاعتماد على الجهد البشري في الأعمال المتكررة، لكنه في الوقت نفسه يرفع قيمة المهارات الإشرافية والإبداعية، لأن المؤسسة تحتاج من يوجّه هذه الأنظمة ويقيّم مخرجاتها ويتحمل مسؤولية القرار النهائي.
دوافع الثقة في هذه التوقعات
تعتمد ثقة قادة التقنية في هذه التوقعات على التحسن المستمر في دقة النماذج وقدرتها على فهم اللغة والسياق، إضافة إلى اعتمادها على بيانات ضخمة تمنحها قدرة تعلم عالية، كما أن تكاليف تشغيل هذه الأنظمة تنخفض تدريجيًا، ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا مغريًا للمؤسسات الباحثة عن رفع الإنتاجية وتقليل النفقات.
وتلعب المنافسة بين الشركات دورًا مهمًا في تسريع نشر هذه التقنيات، فكل شركة تسعى إلى تحقيق أفضلية سوقية عبر دمج الذكاء الاصطناعي في منتجاتها وخدماتها، وهو ما يدفع السوق كله نحو تبني أسرع للتقنيات الجديدة.
تأثيرات اقتصادية واجتماعية محتملة
يثير هذا المسار مخاوف لدى العاملين في بعض المهن المكتبية، إذ يخشى كثيرون من تراجع الطلب على وظائف معينة، في حين يرى خبراء أن التاريخ التقني يُظهر أن كل موجة أتمتة ألغت بعض الوظائف لكنها خلقت أخرى، غالبًا بمهارات مختلفة ومستويات دخل أعلى.
وتواجه الحكومات والمؤسسات التعليمية تحديًا في إعادة التأهيل المهني، لأن سوق العمل قد يطلب مهارات رقمية وتحليلية متقدمة، إلى جانب مهارات إنسانية مثل التفكير النقدي والتواصل، وهي مجالات يصعب على الآلة تقليدها بالكامل.
كيف تستعد المؤسسات للتحول؟
تبدأ شركات كثيرة بتجارب محدودة لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي داخل فرق العمل بهدف رفع الإنتاجية، لا الاستبدال الكامل، كما تضع بعض المؤسسات سياسات حوكمة لتنظيم الاستخدام المسؤول وضمان حماية البيانات وتقليل المخاطر القانونية والأخلاقية.
هذا النهج التدريجي يمنح المؤسسات وقتًا لإعادة تصميم الأدوار الوظيفية وتدريب الموظفين، بدل الانتقال المفاجئ الذي قد يسبب اضطرابًا تنظيميًا أو اجتماعيًا.
مستقبل العمل بين الإنسان والآلة
يرجح كثير من الخبراء أن يسود نموذج العمل المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حيث تتولى الأنظمة الذكية المعالجة السريعة وتحليل البيانات، بينما يحتفظ الإنسان بدور الحكم النهائي والفهم الأخلاقي والسياقي، وهو ما يجعل العلاقة تكاملية أكثر من كونها صراعية.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلًا كاملًا عن الإنسان، بل أداة قوية تعيد تشكيل طريقة العمل، وتفرض على الموظفين تطوير مهاراتهم باستمرار.
ماذا يعني ذلك للموظفين اليوم؟
يعني هذا الواقع أن فهم أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح مهارة أساسية في كثير من المهن، كما تزداد قيمة المهارات الإنسانية مثل القيادة والتفاوض وحل المشكلات المعقدة، وينصح الخبراء بالتركيز على التعلم المستمر بدل الاكتفاء بما تم تعلمه سابقًا.
فالمسألة لا تتعلق بالخوف من التقنية، بل بكيفية توظيفها لصالح المسار المهني، لأن من يجيد العمل مع الذكاء الاصطناعي قد يحظى بفرص أكبر ممن يتجاهله.








