AI بالعربي – متابعات
تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم إلى واحد من أقدم ألغاز علم الحفريات، وهو تحديد هوية الديناصورات التي خلّفت آثار الأقدام المتحجرة. تعد هذه الآثار من أكثر الأدلة انتشارًا في السجل الجيولوجي، لكنها ظلت لعقود مصدر نقاش علمي واسع، لأن الأثر لا يحمل اسم صاحبه، بل يقدّم إشارات تحتاج إلى تفسير دقيق. ومع تطور الخوارزميات، بدأ العلماء في تحويل هذا التحدي إلى مسألة تحليل بيانات بدل الاعتماد على التخمين.
آثار الأقدام كمفتاح لفهم الماضي
يرى الباحثون أن آثار الأقدام ليست مجرد طبعات على الصخور، بل سجلات حركة وسلوك. عندما يعثر العلماء على أثر منفرد أو مسار متقطع، فإنهم يحاولون فهم السياق البيئي والزمني. تكشف هذه الآثار طبيعة الأرض القديمة، ومستوى رطوبتها، ونوع الرواسب التي حفظت الأثر. كما تعطي فكرة عن الكائنات التي شاركت البيئة نفسها، ما يساعد على إعادة بناء النظام البيئي القديم بصورة أوضح.
إلى جانب العظام والأسنان والمخالب، تمثل آثار الأقدام مصدرًا غنيًا للمعلومات. فهي توضح طريقة المشي والسرعة واتجاه الحركة. وفي بعض الحالات تكشف تفاعل أكثر من حيوان في المكان نفسه. لذلك ينظر العلماء إليها كوثائق حية من عصور سحيقة.
الذكاء الاصطناعي يغيّر منهجية التصنيف
طوّر فريق بحثي منهجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل آثار الأقدام. تقوم الفكرة على دراسة ثماني سمات شكلية رئيسية في كل أثر. تشمل هذه السمات مساحة ملامسة القدم للأرض، وموضع التحميل، وتوزيع الأصابع، وشكل اتصالها بالقدم. كما تشمل موضع الكعب ودرجة تحميله، إضافة إلى وضوح الأصابع مقارنة بالكعب، والفروق بين جانبي الأثر.
اعتمد الباحثون على 1974 صورة ورسومًا لآثار أقدام تعود لفترات مختلفة. تغطي هذه البيانات نحو 150 مليون سنة من تاريخ الديناصورات. سمح هذا الحجم الكبير من البيانات للخوارزميات باكتشاف أنماط يصعب ملاحظتها بشريًا. وهنا تظهر قوة الذكاء الاصطناعي في التعامل مع التفاصيل الدقيقة.
يقول الفيزيائي غريغور هارتمان من مركز هيلمهولتس في برلين إن هذه المنهجية توفر تصنيفًا موضوعيًا. ويوضح أن النظام يقلل تأثير التفسير الشخصي. هذا يمنح العلماء أساسًا أكثر ثباتًا عند مقارنة الآثار.
جدل علمي طويل حول هوية صانع الأثر
يؤكد عالم الحفريات ستيف بروزيت من جامعة إدنبره أن مطابقة الأثر بصاحبه تمثل تحديًا تاريخيًا. فقد ناقش العلماء هذه المسألة لأجيال. المشكلة أن شكل الأثر لا يعتمد على قدم الحيوان فقط. بل يتأثر بحركته وقت ترك الأثر. هل كان يمشي أم يجري أم يقفز. بل إن السباحة أحيانًا تترك بصمات مختلفة.
تلعب طبيعة الأرض دورًا كبيرًا أيضًا. فالرواسب اللينة تختلف عن الصلبة. كما أن طريقة دفن الأثر تؤثر في شكله النهائي. ومع مرور ملايين السنين، تغيّر التعرية ملامح الأثر. لذلك قد يترك الديناصور نفسه آثارًا تبدو مختلفة تمامًا.
اختلاف الأحجام وتعقيد التفسير
تتنوع أحجام آثار الأقدام بشكل كبير. بعض الآثار صغير بحجم آثار الدجاج. وبعضها الآخر ضخم بحجم حوض استحمام. هذا التباين يزيد صعوبة التصنيف. كما أن العثور على هيكل عظمي مرتبط مباشرة بمسار أقدام نادر جدًا. يشير بروزيت إلى أنه لا يتذكر سوى حالة واحدة مؤكدة.
لذلك يتعامل العلماء مع كل أثر كقضية تحقيق. يجمعون الأدلة ويقارنون السمات. ويحاولون مطابقة الأثر بقدم ديناصور معروف. يشبّه بعضهم العملية بقصة سندريلا. حيث يجري البحث عن القدم التي تناسب الحذاء.
نتائج لافتة من جنوب إفريقيا
أحد الاكتشافات المثيرة جاء من جنوب إفريقيا. حللت الخوارزمية سبعة آثار صغيرة بثلاثة أصابع. يعود عمرها إلى نحو 210 ملايين سنة. أظهرت هذه الآثار تشابهًا مع آثار الطيور الحديثة. لكن عمرها يسبق أقدم حفريات الطيور بستين مليون سنة.
تشير نظريات علمية إلى أن الطيور تطورت من ديناصورات ثنائية القدمين. كانت صغيرة ومغطاة بالريش. مع ذلك يؤكد بروزيت أن التشابه لا يثبت أن الآثار لطيور. قد تكون لديناصورات قريبة من أسلاف الطيور. وربما تعود لأنواع غير مرتبطة بالطيور. لكنها تملك أقدامًا شبيهة.
يشدد الباحثون على ضرورة الحذر في التفسير. فالنتائج تفتح بابًا للأسئلة. لكنها لا تقدّم إجابات نهائية بعد.
قراءة جديدة لتاريخ الحياة
تعكس هذه التطورات دور الذكاء الاصطناعي في العلوم الطبيعية. فالتقنيات الحديثة لا تستبدل العلماء، بل تمنحهم أدوات أقوى. تساعد الخوارزميات على تحليل كمّ هائل من البيانات بسرعة.
وتكشف أنماطًا خفية في السجل الأحفوري. كل أثر قدم متحجر يحمل قصة عن كائن عاش قبل ملايين السنين. ومع الذكاء الاصطناعي، تصبح قراءة هذه القصص أكثر دقة. وهكذا يقترب العلماء خطوة جديدة من فهم تاريخ الحياة على الأرض.








