الذكاء الاصطناعي التوليدي .. حرب إعلامية تصل إلى مستوى جديد

42

ريتشارد ووترز

أصبحت الحرب المحتدمة بين صناعتي التكنولوجيا والإعلام حول الذكاء الاصطناعي التوليدي خطيرة. بالنسبة إلى التكنولوجيا التي تثير تساؤلات عميقة حول الطريقة التي يتم بها إنتاج واستخدام أشياء مثل النصوص، والصور والموسيقى فإن التحديات القانونية هذا العام كانت قليلة ومتباعدة بشكل مدهش. لقد رفع كثير من الروائيين، والصحافيين والكوميديين دعوى قضائية بتهمة انتهاك حقوق الطبع والنشر بسبب مزاعم بأن أعمالهم قد تم استخدامها لتدريب نماذج لغوية كبيرة، بينما هاجمت شركة جيتي إيمجز عن شركة ستيبلتي أيه أي بسبب استخدام مكتبة الصور الخاصة بها، وتم رفع دعوى قضائية ضد شركة أنثروبيك بسبب كلمات أغان.

لكن معظم أصحاب الحقوق الرئيسين امتنعوا عن ذلك، على أمل إيجاد طرق للمشاركة في غنائم التكنولوجيا الجديدة بدلا من السعي إلى إحباطها. في الاتفاقيتين الوحيدتين البارزتين بين عالم التكنولوجيا والإعلام حتى الآن، سمحت وكالة أسوشييتد برس باستخدام أرشيفاتها لتدريب نماذج أوبن أيه آي، بينما توصلت شركة أكسل شبرينغر، مالكة بوليتكو، ودي ويلت وبيزنس إنسايدر، إلى اتفاق أوسع مع الشركة نفسها في وقت سابق من هذا الشهر.
هذا يجعل الدعوى القضائية التي رفعتها “نيويورك تايمز” للتو ضد شركتي أوبن أيه آي ومايكروسوفت علامة نذيرة بالخطرعلى ما ينتظرنا في 2024. وفقا لـ”صحيفة التايمز”، فشلت أشهر من المفاوضات في التوصل إلى شروط تحمي حقوق الشركة وتوفر تعويضا عادلا.

تحمل الدعاوى القضائية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي صدى قويا للقضايا المبكرة التي أنشأت الأساس القانوني لمحركات البحث. ثم قضت المحاكم الأمريكية بأنه من “الاستخدام العادل” فهرسة المحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر عندما يتم استخدامه لإنشاء خدمات بحث جديدة “تحويلية”. وتبين أيضا أن المقتطفات القصيرة من النصوص والصور “المصغرة” المعروضة في محركات البحث ليست بدائل للمحتوى الأصلي، ما يحد من الضرر الذي قد يلحقه البحث بأعمال شركات الإعلام. هناك بعض الاختلافات المهمة هذه المرة. في الدعوى القضائية التي رفعتها “نيويورك تايمز”، أظهرت كيف تمكنت من إقناع برمجية شات جي بي تي التابعة لشركة أوبن أيه آي، وموقع بينغ المدعوم بالذكاء الاصطناعي التابع لشركة مايكروسوفت، بإنتاج اقتباسات حرفية واسعة النطاق من تقاريرها.

إضافة إلى ذلك، بينما تم تصميم محركات البحث لإرسال حركة المرور إلى مواقع الويب الأخرى، فإن خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل شات جي بي تي تجيب عن الأسئلة مباشرة، ما يجعلها بديلا أكثر وضوحا لمواد المصدر الأصلية. وينبغي لهذه المخاطر القانونية الأكبر أن تجعل شركات الذكاء الاصطناعي تتردد في اختبار دفاعها عن “الاستخدام العادل” أمام هيئة محلفين.
لكن هناك اعتبارات أخرى تؤثر في الاتجاه الآخر ـ بدءا بحقيقة مفادها أن خطر صدور حكم لا يمكن التنبؤ به من قبل هيئة المحلفين له تأثير في كلا الاتجاهين. ستكون شركة أوبن أيه أي قادرة على الإشارة إلى أنه يمكن لناشري الأخبار منعها بسهولة من استخدام محتواهم إذا كانوا لا يريدون استخدامه لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة. وهذا ما فعله كثير من الناشرين، بمن فيهم “نيويورك تايمز”، هذا العام.

إضافة إلى ذلك، يهدد الذكاء الاصطناعي التوليدي بتحويل أنواع كثيرة من المعلومات إلى سلع. بمجرد تدريب نماذجها على المحتوى الذي تحصل عليه من وكالة أسوشييتد برس وشركة أكسل شبرينغر، ستكون حاجة شركة أوبن أيه آي إلى مزيد من أرشيفات الأخبار أقل. وهذا يحد بشكل خطير من التعويض الذي سيتمكن كل ناشر من التفاوض بشأنه، فضلا عن عدد الاتفاقيات الثنائية التي ستكون شركات الذكاء الاصطناعي على استعداد للوصول إليها.

كل هذا يجعل العودة إلى طاولة المفاوضات قبل مواجهة قضائية هي النتيجة الأكثر ترجيحا. يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي بإنشاء أسواق جديدة كبيرة للمحتوى الإعلامي: السؤال، كما هو الحال دائما، هو كيف ينبغي تقاسم الغنائم؟ تأمل شركات الإعلام في جني القيمة من التكنولوجيا بشكل مباشر، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على أرشيفاتها وتلخيص محتواها الإخباري لتعزيز خدماتها الخاصة. لكن انطلاقا من الجمهور الكبير الذي ولدته برمجية شات جي بي تي في الأشهر الأولى، يبدو أن روبوتات الدردشة الذكية وغيرها من الخدمات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي ستصبح في حد ذاتها مواقع إعلامية ضخمة.

من المتوقع أن تجني شركة أكسل شبرينغر “عشرات الملايين من اليورو” سنويا من اتفاقية شركة أوبن أيه آي الخاصة بها. بالنسبة إلى التكنولوجيا التحويلية التي يمكن أن تقلب كثيرا من الأعمال الإعلامية رأسا على عقب، فقد لا يكون ذلك كبيرا. حتى دفع مبلغ 40 مليون يورو سيظل يضيف نحو 1 في المائة فقط إلى إيرادات شركة شبرينغر كل عام. وفي المقابل، تخاطر المجموعات الإخبارية بتسليم جمهورها لشركات الذكاء الاصطناعي. ويمكن أيضا أن ترى أن قيمة علاماتها التجارية تضعف إذا أصبحت برمجية شات جي بي تي وخلفاؤها بمنزلة الكهنة الجدد للإنترنت.

وبما أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال في مراحله الأولى، فمن المستحيل أن نتصور بالضبط ما هي الخدمات الجديدة التي سيؤدي إليها، أو مدى القيمة التي ستصبح عليها هذه الخدمات. وهذا يجعل من الصعب على شركات الإعلام، بشكل خاص، الاتفاق على شروط تتنازل بموجبها عن حقوقها المستقبلية. لكن مع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي بين مزيد من مستخدمي الإنترنت، فإن الضغط من أجل التوصل إلى صفقة سيزداد فحسب.

المصدر: الاقتصادية

اترك رد

Your email address will not be published.