“وكلاء” الذكاء الاصطناعي قادمون

دارون عاصم

“وكلاء” الذكاء الاصطناعي قادمون، سواء كنا مستعدين لهذا أو لم نكن. على الرغم من الشكوك والظنون الكثيرة حول التوقيت الذي قد تصبح عنده نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على التفاعل بشكل مستقل مع المنصات الرقمية، وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي، وحتى البشر، فمن المؤكد أن هذا التطور سيكون تحويليا ــ للأفضل أو للأسوأ. ولكن على الرغم من كل التعليقات (والضجيج) حول الذكاء الاصطناعي الوكيل، تظل تساؤلات كبرى عديدة دون إجابة، وأكبرها هو أي نوع من وكلاء الذكاء الاصطناعي تسعى صناعة التكنولوجيا إلى تطويره؟

سيكون للنماذج المختلفة تأثيرات مختلفة إلى حد كبير. فمع نهج “الذكاء الاصطناعي كمستشار”، قد يعرض وكلاء الذكاء الاصطناعي على صناع القرار من البشر توصيات مُعايَرة تبعا لكل حالة فردية، فيظل البشر دائما في مقعد السائق. ولكن مع نموذج “الذكاء الاصطناعي المستقل”، سيتولى الوكلاء القيادة نيابة عن البشر. وهذا تمييز لا يخلو من آثار عميقة وبعيدة المدى.

في وجود تطبيقات المشورة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والتي تقدم معلومات مخصصة، وجديرة بالثقة، ووثيقة الصلة بالسياق، ومفيدة، يصبح من الممكن تحسين عدد كبير من القرارات المهمة، لكن الهيمنة ستظل للدوافع البشرية. ولكن ما العيب في تمكين تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستقل من اتخاذ القرارات نيابة عنا؟ أليس بمقدورها تحسين عملية اتخاذ القرار بدرجة أكبر، وتوفير الوقت، ومنع الأخطاء؟

لا يخلو هذا المنظور من عدة مشكلات. أولا، الوكالة البشرية شديدة الأهمية للتعلم والازدهار البشري. ذلك أن فعل اتخاذ القرارات والتفكير في النتائج ــ حتى لو كانت المدخلات والمشورة تأتي من وكلاء غير بشريين ــ يؤكد في حد ذاته إحساسنا بالقوة والغرض. الواقع أن كثيرا من أفعال البشر لا يتعلق بالحوسبة أو جمع المدخلات لاتخاذ قرار بشأن مسار العمل الأمثل، بل يدور حول الاكتشاف ــ التجربة التي ستصبح نادرة على نحو متزايد إذا جرى تفويض جميع القرارات إلى ذكاء اصطناعي وكيل.

علاوة على ذلك، إذا سعت صناعة التكنولوجيا بشكل أساسي إلى الاعتماد على تطبيقات وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلة، فسيزداد احتمال أتمتة مزيد من الوظائف البشرية (تشغيلها آليا) بدرجة كبيرة. ومع ذلك، إذا أصبح الذكاء الاصطناعي في المقام الأول وسيلة لتسريع الأتمتة، فسيتبدد أي أمل في تحقيق الرخاء المشترك على نطاق واسع.

في المقام الأول من الأهمية، يجب أن ندرك الفارق الجوهري بين تطبيقات وكلاء الذكاء الاصطناعي التي تعمل بالنيابة عن البشر والبشر الذين يعملون لأنفسهم. كثير من البيئات حيث يتفاعل البشر فيما بينهم تنطوي على عناصر تعاونية ومتضاربة في ذات الوقت. لنتأمل هنا حالة حيث تعمل إحدى الشركات على توفير أحد المدخلات لشركة أخرى.

ما يدعو إلى التفاؤل أن مثل هذه المواقف المتصلبة نادرة الحدوث في معاملاتنا اليومية، ويرجع هذا جزئيا إلى أن السمعة السيئة لا تنفع، والأهم من ذلك أن معظم البشر لا يملكون الجرأة ولا الطموح للتصرف بمثل هذه الطريقة العدوانية. لكن لنتخيل الآن أن المشتري يعتمد على وكيل ذكاء اصطناعي مستقل لا يبالي بالمجاملات البشرية وأعصابه غير البشرية من فولاذ.

في الأمد القريب إذن، قد تبشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيلة المستقلة بقدوم عالَـم أكثر تفاوتا، حيث لا يتسنى إلا لبعض الشركات أو الأفراد الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المقتدرة الصعبة المراس على نحو يمكن التعويل عليه. ولكن حتى لو حصل الجميع في نهاية المطاف على ذات الأدوات، فلن يكون ذلك أفضل على الإطلاق، إذ سيخضع مجتمعنا بالكامل لألعاب “حرب الاستنزاف” حيث تدفع تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيل بكل حالة تضارب إلى حافة الانهيار.

في لعبة “من يجبن أولا”، لن ينحرف الذكاء الاصطناعي الـمُـدَرَّب على الفوز أبدا. وفي حين قد يعمل الذكاء الاصطناعي كمستشار بارع للبشر ــ حيث يزودنا بمعلومات مفيدة، وجديرة بالثقة، ووثيقة الصلة بالسياق لحظيا ــ فإن العالم الذي يعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيل المستقلة يؤذن في الأرجح بقدوم مشكلات جديدة عديدة، بينما يتسبب في تآكل عدد كبير من المكاسب التي ربما قدمتها لنا التكنولوجيا.

المصدر: الاقتصادية

اترك رد

Your email address will not be published.