الذكاء الاصطناعي والطب المستقبلي
براناف راجبوركار – إيريك توبول
أثار الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي نقاشات حادة في كثير من القطاعات والمجالات المهنية، بشأن نوع الدور الذي يمكن وينبغي لتلك الأدوات الاضطلاع به، ولم يكن قطاع الرعاية الصحية استثناءً في هذا السياق. توقعت الدوائر الطبية بشكل كبير أن الجمع بين قدرات الأطباء والذكاء الاصطناعي سوف يعود بالنفع على العالمين، ويؤدي إلى تشخيص الحالات بدقة أكبر، وتوفير رعاية أكثر فاعلية.
ربما يتبين أن ذلك الافتراض لم يكن صحيحًا، إذ يشير عدد متزايد من الأبحاث إلى أن الذكاء الاصطناعي يتفوق في الأداء على الأطباء، حتى عندما يستخدمونه أداةً.
ونظرت دراسة حديثة أجراها معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا وجامعة “هارفارد”، شارك فيها الدكتور راجبوركار، في كيفية تشخيص اختصاصي الأشعةِ الأمراضَ المحتمَلة باستخدام أشعة “إكس” على الصدر. وجدت الدراسة أنه عندما كان يتم عرض توقعات الذكاء الاصطناعي لأرجحية مرض ما على اختصاصيي الأشعة، كثيرًا ما كانوا يقللون من قيمة وشأن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي مقارنةً بحكمهم وتقييمهم. كان الأطباء متمسكين بالانطباعات الأولية حتى عندما كان الذكاء الاصطناعي محقًا، مما أدى إلى تراجع دقة التشخيص. كانت لتجربة أخرى النتيجة نفسها. عندما عمل الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل لتشخيص حالات مَرَضية حقق دقَّةً نسبتها 92%، في حين بلغت نسبة دقة التشخيص في حالة استعانة الأطباء بالذكاء الاصطناعي 76% فقط، أي أفضل قليلاً من نسبة أدائهم دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي التي بلغت 74%.
لا يزال هذا البحث في مرحلة مبكرة، وربما يتطور، لكنَّ النتائج تشير بشكل شامل إلى أن توفير أدوات الذكاء الاصطناعي للأطباء في الوقت الحالي لن يُحدِث تحسنًا بشكل تلقائي. لا يشعر الأطباء بارتياح كامل إزاء استخدام الذكاء الاصطناعي، ولا يزالون يشكُّون بنفعه، رغم قدرته على تحسين الرعاية الصحية المقدَّمة للمرضى.
مع ذلك سوف يتقدم الذكاء الاصطناعي. وأفضل ما يمكن لمجال الطب عمله هو العثور على دور له يثق به الأطباء. ونعتقد أن الحل هو تقسيم العمل بشكل متأنٍّ. عوضًا عن إجبار الأطباء من البشر والذكاء الاصطناعي على مراجعة كل حالة مرضية معًا، ومحاولة تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نوع من طبيب الظل، هناك نهج أكثر فاعلية؛ وهو منح الذكاء الاصطناعي فرصة العمل بشكل مستقل على مهام مناسبة، بحيث يتمكن الأطباء من تركيز خبرتهم على الأمور الأهم.
ما الشكل الذي يمكن أن تصبح عليه عملية تقسيم العمل المذكورة؟ يشير البحث إلى ثلاث طرق مختلفة: في النموذج الأول يبدأ الأطباء بمحاورة المرضى وإجراء الفحص الطبي لجمع المعلومات الطبية. توضح دراسة أجرتها كلٌّ من جامعتَي “هارفارد” و”ستانفورد”، وشارك فيها الدكتور راجبوركار، سبب أهمية هذا التسلسل. عندما حاولت أنظمة الذكاء الاصطناعي جمع معلومات عن المرضى من خلال إجراء حوارات مباشرة، تراجعت دقة التشخيص، وانخفضت في إحدى الحالات من 82% إلى 63%. كشفت الدراسة عن أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يجد صعوبة في إدارة وتوجيه المحادثات الطبيعية، ومعرفة أسئلة المتابعة التي سوف تؤدي إلى الحصول على معلومات مهمة تتعلق بالتشخيص. بجعل الأطباء يتولون مهمة جمع هذه البيانات الطبية أولاً، يمكن للذكاء الاصطناعي بعد ذلك تطبيق طريقة التعرف على النمط لتحليل تلك المعلومات، واقتراح التشخيص المحتمل.
في طريقة أخرى يبدأ الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات الطبية، واقتراح التشخيصات المحتملة وخطط العلاج. يبدو أن الذكاء الاصطناعي لديه ميل فطري لتلك المهام؛ فقد أوضحت دراسة أُجريت عام 2024 أن أحدث نماذج من مؤسسة OpenAI تعمل بشكل جيد عند تنفيذ مهام التفكير النقدي، مثل توليد التشخيصات، وإدارة الحالات المرضية، عند اختبارها في دراسات الحالة والكتابات الطبية وسيناريوهات المرضى. ويكون دور الطبيب بعد ذلك استخدام تقديره الطبي لتحويل اقتراحات الذكاء الاصطناعي إلى خطة علاج، وتعديل التوصيات استنادًا إلى الحدود المادية للمريض، وتغطية التأمين الصحي لها، وموارد الرعاية الصحية.
ربما يكون النموذج الأكثر ثورية واختلافًا هو الفصل التام بينهما، وجعل الذكاء الاصطناعي يتعامل مع حالات روتينية محددة بشكل منفصل مستقل، مثل إجراء أشعة إكس على الصدر، والصور بالأشعة السينية.
المصدر: الشرق الأوسط