ما هو حل علل الذكاء الاصطناعي؟

7

عبدالرحمن الحبيب

كانت وسائل التواصل الاجتماعي أول اتصال واسع النطاق مع الذكاء الاصطناعي عبر تنظيم النشر ومقاطع الفيديو والتغريدات التي تجذب الانتباه.. هذه الوسائل اكتسبت منصاتها هيمنة اجتماعية عالمية على مدى العقد الماضي فقد جذبت العقول والقلوب وسيطرت على المعلومات والأخبار.. كان شعار تويتر في عام 2014 موجرًا ومحفرًا، وهو “ماذا يحدث؟”؛ وكان شعار انستغرام هو “التقاط ومشاركة لحظات العالم”؛ فيما أعلنت صفحة تسجيل الدخول إلى فيسبوك أن «الفيسبوك يساعدك على التواصل والمشاركة مع الأشخاص في حياتك». ومنذ أيامها الأولى وصفت شركات وسائل التواصل الاجتماعي، هذا التحول بأنه سلعة غير مسبوقة، حيث كانت تربط العالم ببعضه كما لم يحدث من قبل.

المعلومات تهل علينا كالشلالات لا يستطيع كأس المعرفة التقاطها، فقد أتاحت لنا التقنيات الجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي معلومات وأخبار عاجلة وسريعة ومختصرة في كل لحظة وفي كل مكان. صارت الناس تبدأ بوسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار قبل القنوات والمواقع الإلكترونية للصحف الرصينة، لأن الأولى تنشر الأخبار بسرعة قبل التأكد من مصداقيتها، وأصبح التضليل جزءا لا يتجزأ من الأخبار التي تصلنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

فهل نحن أكثر استنارة وعقلانية بسبب ذلك أم نتعرض للتلاعب؟ هذا هو السؤال الجوهري لكتاب “عواصف المعلومات”، فالكميات الهائلة من المعلومات تهدد بإرباك المجتمعات حين تُستخدم بشكل غير ناقد لتكوين الآراء واتخاذ القرارات، وتقوض قدرتنا على فرز الحقيقة من المبتذلة من المغرضة وستؤدي، إن لم يتم كبحها، إلى تقويض ذكائنا الجماعي.

ما هو الحل لتفاقم علل الذكاء الاصطناعي التي تسببها وسائل التواصل الاجتماعي؟ ابحث عن الحوافز! كما يرى الباحث في أخلاقيات التكنولوجيا تريستان هاريس وهو أحد مؤسسي مركز التكنولوجيا الإنسانية، مقترحاً بأن العلاج الوحيد هو فرض تغيير على حوافز شركات الذكاء الاصطناعي.. فمن الواضح أن حوافز هذه المنصات تم تصميمها لجذب وأسر اهتمامنا، والاستفادة من غرائزنا اللاواعية، كل ذلك دون النظر إلى التداعيات طويلة المدى، ودون محاسبة تلك الشركات على الأضرار التي تسببها. وسبق أن قال تشارلي مونجر، الشريك التجاري الراحل لوارن بافيت، ذات يوم: “أرني الحافز وسوف أعرض لك النتيجة”.

يذكر الباحث هاريس أن شعارات منصات وسائل التواصل الاجتماعي قد حجبت هيكل الحوافز المشوه داخل منصاتها، وهو محرك غير مرئي من شأنه أن يقود التجربة النفسية لمليارات من الناس؛ فظهرت حقائق أكثر قتامة.

ومع إحكام وسائل التواصل الاجتماعي قبضتها على حياتنا اليومية، شهدنا التقلص المستمر في مدى الاهتمام، وغضب الخطاب السياسي، وزيادة كبيرة في الشعور بالوحدة والقلق. فقد عززت منصات وسائل التواصل الاجتماعي الاستقطاب والتناحر، ودفعت الأضرار عبر الإنترنت إلى الفضاءات غير المتصلة بالإنترنت، وكانت النتائج مأساوية وقاتلة في بعض الأحيان.

وكتب هاريس: يتصارع العالم الآن مع تقنية ناشئة جديدة: الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الشائع أن نسمع الناس يقولون إنه من السابق لأوانه معرفة كيف سيؤثر ذلك على المجتمع. ولكنني أعتقد أننا قادرون على التنبؤ بالنتيجة الآن، بنفس الطريقة التي تمكن بها أولئك الذين نظروا عن كثب من التنبؤ بالنتيجة باستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، من خلال فحص الحوافز التي تدفع عملية تطوير التكنولوجيا ونشرها. وكما تبين، فإن استخدام المشاركة كحافز يمكن أن يؤدي إلى اختلال وظيفي عميق في المجتمع والثقافة والسياسة، وتأجيج أزمات الصحة العقلية غير المسبوقة بين الشباب.

يبدأ المجتمع الآن اتصاله الثاني مع الذكاء الاصطناعي التوليدي من روبوتات الدردشة التي تولد النصوص إلى الصور المزيفة بعمق ومولدات الصوت لاستنساخ الصوت، مما يتضح أن عواقبها أثبتت بالفعل أنها مزعجة بل ومدمرة. تم تعزيز عمليات الاحتيال المالي ضد كبار السن من خلال استنساخ صوت أحبائهم؛ يتم استخدام تطبيقات “التعري” كسلاح ضد المراهقين؛ ويتم استخدام المحتوى الصوتي العميق لابتزاز الأشخاص من جميع الأعمار.

ويتساءل الباحث: ما الذي يدفع تكنولوجيا يحتمل أن تكون خطرة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى النمو بهذا المعدل الشرس؟ الإجابة مرة أخرى في الحوافز الضارة المؤثرة، وخاصة الضغط الذي يدفعك إلى أن تكون أول من يصل إلى السوق. العديد من شركات الذكاء الاصطناعي المتطورة تسارع إلى إطلاق منتجات ذكاء اصطناعي محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة وغير آمنة وحتى غير أخلاقية، على أمل السيطرة على السوق.

تلك الشركات تلقي بالمسؤولية على عاتق الحكومات والجمهور لإيجاد الحلول، لكن من الصعب تاريخيا تنظيم التكنولوجيات الناشئة، منذ ظهور السكك الحديدية والتلغراف، لأن التكنولوجيات الجديدة غالباً ما تكون غير مفهومة جيداً. ويرجع ذلك أيضًا إلى أن رواد التكنولوجيا يبذلون قصارى جهدهم بشكل عام لتقليل الرقابة.

أخيرًا، يرى هاريس بأن على الحكومات أن تجد طريقة للخروج من هذا المأزق، كما يجب أن يتحمل عمالقة التكنولوجيا المسؤولية عن الأضرار التي تسببها منتجاتهم، وليس مجرد تشجيعهم على الابتكار.. ويجب أن تخضع هذه الشركات لإطار المسؤولية الذي يعرضها لخسائر مالية كبيرة، إذا ثبت أنها مسؤولة عن الأضرار.. عندها فقط سوف يأخذون السلا مة على محمل الجد..

المصدر: الجزيرة 

اترك رد

Your email address will not be published.