كيف تعلمت الروبوتات الكتابة؟.. حين يسرد الحاسوب كالبشر

AI بالعربي – متابعات

تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي حتى تنتج نصوصًا تحاكي أسلوب البشر، لكن هل تفهم الآلات ما تكتبه أم تكتفي بمعالجة الأنماط اللغوية؟ وهل يمكنها أن تحل محل الكتّاب، أم أن للغة بُعدًا إنسانيًا لا يُستبدل؟

هل يُمكن أن تُصبح الآلات كتّابًا؟

لطالما كانت الكتابة فنًا بشريًا، تعبيرًا عن المشاعر والتجربة والخيال. لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع الحواسيب إنتاج نصوص متماسكة، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للآلات أن تكتب كما يكتب البشر؟

هذا هو السؤال الذي يتناوله “دينيس يي تينين Dennis Yi Tenen” في كتابه الجديد، حول نظرية الأدب للروبوتات، بعنوان “Literary Theory for Robots: How Computers Learned How to Write”، حيث يقدم تحليلًا عميقًا وممتعًا عن العلاقة بين التكنولوجيا واللغة، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ تطوره، لا يمكنه الانفصال عن العنصر البشري الذي صنعه.

من هندسة البرمجيات إلى الأدب.. رحلة المؤلف

“تينين” ليس مجرد ناقد أدبي، بل هو أيضًا مهندس برمجيات سابق في مايكروسوفت. هذا المزيج من المعرفة التقنية والخلفية الأدبية يمنحه منظورًا فريدًا، يجعله قادرًا على تفكيك الميكانيكية الخفية وراء الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء التحليل ممتعًا وسهل الفهم. الكتاب، الذي يقع في أقل من 160 صفحة، ليس بحثًا أكاديميًا جافًا، بل هو عمل ذكي، ساخر أحيانًا، يطرح أسئلة جوهرية عن مستقبل الكتابة في عصر الآلات الذكية.

من ابن خلدون إلى ماركوف.. تاريخ التنبؤ اللغوي

يأخذنا تينين في رحلة عبر الزمن، من القرن الرابع عشر إلى العصر الحديث، لاستكشاف كيف حاول البشر عبر العصور “برمجة” النصوص وإنشاء أنظمة توقع لغوية.

من هُنا، ابن خلدون وعجلة النبوءة، يبدأ المؤلف برحلة إلى القرن الرابع عشر، حيث يوثق العالم والمؤرخ العربي ابن خلدون استخدام ما يُعرف بـ “عجلة النبوءة”، وهي آلية تنبؤية للكتابة تشبه إلى حد ما نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة في توقع النصوص. كذلك كان العالم الروسي أندريه ماركوف من أوائل من استخدم الرياضيات لتحليل النصوص، حيث درس التسلسل الإحصائي للحروف في قصيدة بوشكين الشهيرة “يفغيني أونيغين”. هذا العمل مهد الطريق لأنظمة التنبؤ النصي المستخدمة اليوم في روبوتات الدردشة والتطبيقات الذكية.

تينين يربط هذه المحاولات التاريخية مع تقنيات العصر الرقمي، موضحًا أن فكرة إنشاء نصوص تلقائية ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد إلى قرون مضت.

هل الروبوتات تفهم ما تكتب؟

في قلب هذا الكتاب يكمن تساؤل أساسي: هل الذكاء الاصطناعي “يفهم” اللغة كما يفهمها البشر؟

تينين يجادل بأن الإجابة هي لا. قد تنتج الحواسيب نصوصًا متقنة نحويًا، لكنها تفتقر إلى المعنى الحقيقي والتجربة الإنسانية. فهو- في إطار كتابه – يستشهد بمثال شهير قدمه اللغوي نعوم تشومسكي: “الأفكار الخضراء عديمة اللون تنام بغضب.”

الجملة السالفة صحيحة نحويًا، لكنها لا تحمل أي معنى. هذا يوضح مشكلة الذكاء الاصطناعي: قد يكون قادرًا على تركيب الجمل، لكنه لا يفهم ما تعنيه فعليًا.

تينين يقدم خطأً بسيطًا في كتابه كدليل على هذه الفكرة، حيث يذكر أن الفيلسوف ديكارت كتب “Mediations” بدلًا من “Meditations”. هذا الخطأ الإملائي صغير جدًا، لكنه مهم، لأنه يظهر أن التصحيح الإملائي الآلي لن يلتقطه، نظرًا لأن الكلمتين صحيحتان من حيث القواعد اللغوية، ولكنهما تحملان معانٍ مختلفة تمامًا. هذه التفاصيل الدقيقة لا يمكن للروبوتات فهمها كما يفهمها البشر.

تفكيك أسطورة الذكاء الاصطناعي

تينين يوضح أن إحدى المشكلات الكبرى في فهم الذكاء الاصطناعي هي الاستعارات المضللة التي نستخدمها عند الحديث عنه. نحن نقول: “الآلة تفكر والروبوت يكتب والذكاء الاصطناعي يبدع.”

لكن هذه ليست سوى تشبيهات خاطئة، كما يوضح الكاتب. فالحواسيب لا “تفكر” حقًا، بل تقوم بمعالجة بيانات بناءً على خوارزميات. تينين يدعو إلى التخلص من هذه الاستعارات التي تمنح الآلات صفات بشرية زائفة، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي هو نتاج تعاون بشري معقد، وليس كيانًا مستقلًا بذاته.

هل الأتمتة تهدد مستقبل الكتابة؟

لا ينكر تينين أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل تهديدًا لبعض الوظائف الإبداعية، لكنه في الوقت نفسه يتبنى نظرة أكثر تفاؤلًا. فرغم أن الأتمتة قد تؤثر على بعض المهن التقليدية، إلا أنها في المقابل تفتح آفاقًا جديدة أمام الإبداع البشري، مما يستدعي إعادة النظر في علاقتنا بهذه التقنية المتطورة.

من الجانب السلبي، قد تؤدي الأتمتة إلى تقليل قيمة بعض المهارات البشرية، مما يتسبب في فقدان وظائف كانت تعتمد على قدرات كتابية أو تحريرية بسيطة، مثل الصحافة التقليدية أو مراجعة النصوص. فمع قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى متماسك وسريع، قد يصبح الاعتماد على الكتّاب البشريين في هذه المهام أقل ضرورة، مما ينعكس سلبًا على سوق العمل في هذه المجالات.

لكن في المقابل، توفر الأتمتة فرصًا غير مسبوقة لجعل الإبداع أكثر شمولية وسهولة في الوصول. فالتقنيات الذكية تقلل الحواجز التي كانت تمنع الكثيرين من دخول مجالات تتطلب مهارات متخصصة، مما يمكّن عددًا أكبر من الأشخاص من الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتهم في الكتابة والإبداع. ويرى “تينين” أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، لا كبديل، مؤكدًا أن القرار النهائي حول ما هو “إبداعي” سيظل دومًا في أيدي البشر.

من المسؤول عن مخاطر الذكاء الاصطناعي؟

إذا كان الذكاء الاصطناعي ليس “كائنًا مستقلاً”، فمن المسؤول عن آثاره الجانبية؟

تينين يحذر من أن الخطر الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في عدم قدرتنا على محاسبة الشركات والتقنيين الذين يطورونه. فهو يقدم مقارنة بسيطة، مفادها أنَّه حال أراد شخص أن يربط محركًا نفاثًا بسيارة ويقودها في مدينة مزدحمة، فإنَّ هذا لا يجب أن يحدُث.

لكن عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، نجد صعوبة في تحديد ما هو مقبول وما هو غير مقبول. هنا “تينين” يدعو إلى المزيد من المساءلة والشفافية في تطوير التكنولوجيا، بحيث لا يتم السماح بابتكارات قد تضر بالمجتمع دون رقابة مناسبة.

إعادة التفكير في علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي

كتاب “Literary Theory for Robots: How Computers Learned How to Write” ليس كتابًا عن التكنولوجيا فقط، بل هو تأمل عميق في علاقتنا باللغة، والإبداع، والمسؤولية الاجتماعية. بالتالي “تينين” لا يدعو إلى الخوف من الذكاء الاصطناعي، بل إلى فهمه بعقلانية. فهو يرى أن الروبوتات قد تكون أدوات قوية، لكنها لن تكون يومًا كتّابًا حقيقيين، لأن الكتابة ليست مجرد تركيب جمل، بل فنًا قائمًا على التجربة الإنسانية، وهذه التجربة لا يمكن استنساخها بواسطة آلة.

Comments (0)
Add Comment